ابراهيم اسماعيل الشهركاني
575
المفيد في شرح أصول الفقه
مناقشها بعد ما ذكرناه . هذا كله في النهي النفسي ، أما ( النهي الغيري ) المقدمي فحكمه حكم النفسي بلا فرق ، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم . فإنه أشرنا هناك إلى الوجه الذي ذكره بعض أعاظم مشايخنا « قدس سره » للفرق بينهما ؛ بأن النهي الغيري لا يكشف عن وجود مفسدة وحزازة في المنهي عنه ، فيبقى المنهي عنه على ما كان عليه من المصلحة الذاتية بلا مزاحم لها من مفسدة للنهي ، فيمكن التقرب به بقصد تلك المصلحة الذاتية المفروضة ، بخلاف النهي النفسي الكاشف عن المفسدة والحزازة في المنهي عنه المانعة من التقرب به . وقد ناقشناه هناك بأن التقرب والابتعاد ليسا يدوران مدار المصلحة والمفسدة الذاتيتين حتى يتم هذا الكلام ، بل - كما ذكرناه هناك - إن الفعل المبعد عن المولى في حال كونه مبعدا لا يعقل أن يكون متقربا به إليه كالتقرب والابتعاد المكانيين ، والنهي وإن كان غيريا يوجب البعد ومبغوضية المنهي عنه وإن لم يشتمل على مفسدة نفسية . ويبقى الكلام في النهي ( التنزيهي ) أي : الكراهة ، فالحق أيضا : أنه يقتضي الفساد كالنهي التحريمي ، لنفس التعليل السابق من استحالة التقرب بما هو مبعد بلا فرق ، غاية الأمر : أن مرتبة البعد في التحريمي أشد وأكثر منها في التنزيهي كاختلاف مرتبة القرب في موافقة الأمر الوجوبي والاستحبابي . وهذا الفرق لا يوجب تفاوتا في استحالة التقرب بالمبعد . ولأجل هذا حمل الأصحاب الكراهة في العبادة على أقلية الثّواب مع ثبوت صحتها شرعا لو أتى بها المكلف ، لا الكراهة الحكمية الشرعية ، ومعنى حمل الكراهة على أقلية الثّواب : أن النهي الوارد فيها يكون مسوقا لبيان هذا المعنى وبداعي الإرشاد إلى أقلية الثواب ، وليس مسوقا لبيان الحكم التكليفي المقابل للأحكام الأربعة الباقية بداعي الزجر عن الفعل والردع عنه . وعليه : فلو أحرز - بدليل خاص - إن النهي بداعي الزجر التنزيهي ، أو لم يحرز من دليل خاص صحة العبادة المكروهة ، فلا محالة لا نقول بصحة العبادة المنهي عنها بالنهي التنزيهي . هذا فيما إذا كان النهي التنزيهي عن نفس عنوان العبادة أو جزئها أو شرطها أو وصفها ، أما لو كان النهي عن عنوان آخر غير عنوان المأمور به - كما لو كان بين