ابراهيم اسماعيل الشهركاني
464
المفيد في شرح أصول الفقه
وبناء على إن عبادية العبادة لا تكون إلا بقصد الأمر المتعلق بها - هو : أن المصحح لعبادية الطهارات هو الأمر النفسي الاستحبابي لها في حد ذاتها السابق على الأمر الغيري بها . وهذا الاستحباب باق حتى بعد فرض الأمر الغيري ، ولكن لا بحد الاستحباب الذي هو جواز الترك ؛ إذ المفروض : أنه قد وجب فعلها فلا يجوز تركها ، وليس الاستحباب إلا مرتبة ضعيفة بالنسبة إلى الوجوب ، فلو طرأ عليه الوجوب لا ينعدم ، بل يشتد وجوده ؛ فيكون الوجوب استمرارا له كاشتداد السواد والبياض من مرتبة ضعيفة إلى مرتبة أقوى ، وهو وجود واحد مستمر . وإذا كان الأمر كذلك فالأمر الغيري حينئذ يدعو إلى ما هو عبادة في نفسه ، فليست عباديتها متأتية من الأمر الغيري حتى يلزم الإشكال . ولكن هذا الجواب - على حسنه - غير كاف بهذا المقدار من البيان لدفع الشبهة . وسر ذلك : أنه لو كان المصحح لعباديتها هو الأمر الاستحبابي النفسي بالخصوص لكان يلزم ألا تصح هذه المقدمات إلا إذا جاء بها المكلف بقصد امتثال الأمر الاستحبابي فقط ، مع إنه لا يفتي بذلك أحد ، ولا شك في : أنها تقع صحيحة لو أتى بها بقصد امتثال أمرها الغيري ، بل بعضهم اعتبر قصده في صحتها بعد دخول وقت الواجب المشروط بها . فنقول ( إكمالا للجواب ) : إنه ليس مقصود المجيب من كون استحبابها النفسي مصححا لعباديتها : أن المأمور به بالأمر الغيري هو الطهارة المأتي بها بداعي امتثال الأمر الاستحبابي . كيف ؟ وهذا المجيب قد فرض عدم بقاء الاستحباب بحده بعد ورود الأمر الغيري ، فكيف يفرض أن المأمور به هو المأتي به بداعي امتثال الأمر الاستحبابي ؟ بل مقصود المجيب : أن الأمر الغيري لما كان متعلقه هو الطهارة بما هي عبادة ، ولا يمكن أن تكون عباديتها ناشئة من نفس الأمر الغيري - بما هو أمر غيري - فلا بد من فرض عباديتها لا من جهة الأمر الغيري وبفرض سابق عليه ، وليس هو إلا الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق بها ، وهذا يصحح عباديتها قبل فرض تعلق الأمر الغيري بها ، وإن كان حين توجه الأمر الغيري لا يبقى ذلك الاستحباب بحده وهو جواز الترك ، ولكن لا تذهب بذلك عباديتها ، لأن المناط في عباديتها ليس جواز الترك كما هو واضح ، بل المناط مطلوبيتها الذاتية ورجحانها النفسي ، وهي باقية بعد تعلق الأمر الغيري .