ابراهيم اسماعيل الشهركاني

465

المفيد في شرح أصول الفقه

وإذا صح تعلق الأمر الغيري بها بما هي عبادة واندكاك الاستحباب فيه - بمعنى : أن الأمر الغيري يكون استمرارا لتلك المطلوبية - فإنه حينئذ لا يبقى إلا الأمر الغيري صالحا للدعوة إليها ، ويكون هذا الأمر الغيري نفسه أمرا عباديا ، غاية الأمر : إن عباديته لم تجئ من أجل نفس كونه أمرا غيريا ، بل من أجل كونه امتدادا لتلك المطلوبية النفسية وذلك الرجحان الذاتي الذي حصل من ناحية الأمر الاستحبابي النفسي السابق . وعليه ، فينقلب الأمر الغيري عباديا ، ولكنها عبادية بالعرض لا بالذات حتى يقال : أن الأمر الغيري توصلي لا يصلح للعبادية . من هنا لا يصح الإتيان بالطهارة بقصد الاستحباب بعد دخول الوقت للواجب المشروط بها ، لأن الاستحباب بحده قد اندك في الأمر الغيري ، فلم يعد موجودا حتى يصح قصده . نعم يبقى أن يقال : أن الأمر الغيري إنما يدعو إلى الطهارة الواقعة على وجه العبادة ، لأنه حسب الفرض متعلقه هو الطهارة بصفة العبادة لا ذات الطهارة ، والأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به ، فكيف صح أن يؤتى بذات العبادة بداعي امتثال أمرها الغيري ولا أمر غيري بذات العبادة ؟ ولكن ندفع هذا الإشكال بأن نقول : إذا كان الوضوء - مثلا - مستحبا نفسيا فهو قابل لأن يتقرب به من المولى ، وفعلية التقرب تتحقق بقصد الأمر الغيري المندك فيه الأمر الاستحبابي . وبعبارة أخرى : قد فرضنا الطهارات عبادات نفسية في مرتبة سابقة على الأمر الغيري المتعلق بها والأمر الغيري إنما يدعو إلى ذلك ، فإذا جاء المكلف بها بداعي الأمر الغيري المندك فيه الاستحباب - والمفروض : ليس هناك أمر موجود غيره - صح التقرب به ووقعت عبادة لا محالة ، فيتحقق ما هو شرط الواجب ومقدمته . هذا كله بناء على ثبوت الأمر الغيري بالمقدمة ، وبناء على أن المناط في عبادية العبادة هو : قصد الأمر المتعلق بها . وكلا المبنيين نحن لا نقول بهما . أما الأوّل : فسيأتي في البحث الآتي الدليل على عدم وجوب مقدمة الواجب ، فلا أمر غيري أصلا .