ابراهيم اسماعيل الشهركاني

389

المفيد في شرح أصول الفقه

وقد صور بعضهم هذه الملازمة على النحو الآتي : إن الشارع إذا أمر بشيء فلا يكون حسنا إلا إذا مدح مع ذلك الفاعل عليه ، وإذا نهى عن شيء فلا يكون قبيحا إلا إذا ذم الفاعل عليه . ومن أين تعرف أنه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به ويذم فاعل المنهي عنه ، إلا إذا كان ذلك واجبا عقلا ( 1 ) ؟ فتوقف حسن المأمور به وقبح المنهي عنه على حكم العقل وهو المطلوب . ثم لو ثبت أن الشارع مدح فاعل المأمور به وذم فاعل المنهي عنه ، والمفروض : أن مدح الشارع ثوابه وذمّه عقابه ، فمن أين نعرف أنه صادق في مدحه وذمه إلا إذا ثبت أن الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه ؟ فيتوقف ثبوت الحسن والقبح شرعا على ثبوتهما عقلا ، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا ( 2 ) . وقد أجاب بعض الأشاعرة عن هذا التصوير : بأنه يكفي في كون الشيء حسنا أن يتعلق به الأمر ، وفي كونه قبيحا أن يتعلق به النهي ، والأمر والنهي - حسب الفرض - ثابتان وجدانا . ولا حاجة إلى فرض ثبوت مدح وذم من الشارع . وهذا الكلام - في الحقيقة - يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن والقبح ، فيكون الدليل وجوابه صرف دعوى ومصادرة على المطلوب ، لأن المستدل يرجع قوله إلى أنه يجب المدح والذم عقلا لأنهما واجبان في اتصاف الشيء بالحسن والقبح ، والمجيب يرجع قوله إلى إنهما لا يجبان عقلا لأنهما غير واجبين في الحسن والقبح . والأحسن تصوير الدليل على وجه آخر ، فنقول : إنه من المسلم عند الطرفين : وجوب طاعة الأوامر والنواهي الشرعية وكذلك وجوب المعرفة . وهذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم ، فنقول لهم : من أين يثبت هذا الوجوب ؟ لا بد أن يثبت بأمر من الشارع . فننقل الكلام إلى هذا الأمر ، فنقول لهم : من أين تجب طاعة هذا الأمر ، فإن كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب ، وإن كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر ولا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه . . . وهكذا نمضي إلى غير النهاية . ولا نقف حتى ننتهي إلى طاعة