الشيخ محمد علي الأراكي

11

أصول الفقه

نعم بينهما فرق في كيفيّة الوضع ، ففي الأوّل لمّا يمكن الإشارة إلى نفس المعنى فلهذا لا يحتاج في مقام الوضع إلى الوجه ، بل يشار إلى نفسه ، وفي الثاني لمّا لم يمكن الإشارة إلى نفس المعنى ، ضرورة منافاة الإشارة لما هو عليه من وصف العجز والافتقار ، فلهذا لا بدّ أن ينتزع منه في مقام الوضع إجمال ويجعل هذا الإجمال وجها له وعبارة عنه ، بحيث يكون الفرق بينه وبين الجامع الذي هو الموضوع له بالإجمال والتفصيل . وذلك كمفهوم الابتداء المحتاج في التعقّل إلى المتعلّق . ولا يلزم اتّفاق الحاكي والمحكي في جميع الجهات . فيمكن أن يكون الأوّل معنى اسميّا والثاني معنى حرفيّا كما في المقام ، كما يمكن أن يكون الأوّل كليّا والثاني جزئيّا كما في مفهوم لفظ الجزئي ومحكيّه . وحينئذ فإن أريد من الخصوصية في معنى « من » خصوصيته بالنسبة إلى معنى لفظ الابتداء فقد عرفت أنّهما مفهومان متباينان ، حيث إنّ الأوّل مستقلّ باللحاظ ، والثاني مفتقر فيه إلى الغير ، وإن أريد الخصوصيّة بالنسبة إلى مقسم القسمين وهو المعنى المجرّد عن الكيفيتين الذي لم يوضع له لفظ فهي غير مختصّة بمعنى « من » لجريانها في معنى لفظ « الابتداء » أيضا ، ضرورة أخصية القسم عن المقسم . وأمّا بالنسبة إلى الخارج فقد عرفت تصادقهما على طائفة واحدة من الخارجيات . فان قلت : كيف وقد استعمل لفظة « من » في قولك : « سرت من البصرة » في الابتداء الخاصّ بإضافته إلى السير الخاصّ . قلت : لا شك أنّ المستعمل فيه للفظة « من » في جميع الموارد معنى واحد كلّى ، وهو ما وضعه الواضع له ، وهو أصل الابتداء العاجز ، ومن لوازم هذا المعنى أنّك أىّ معنى فعل أو شبهه قرّبت منه وركّبت معه يتقيّد به وتصير خصوصيّة طارئة عليه ،