الشيخ محمد علي الأراكي

12

أصول الفقه

لكن قد عرفت أنّ هذا المعنى المتعلّق لا ربط له بحقيقة معنى « من » وله دالّ أخر فكلّ من الدوالّ قد استعمل في معناه الموضوع له ، فمادة سرت قد استعملت في مفهوم السير وهيئته في الاتّحاد الخارجي ولفظة « من » في مطلق المبدئية العاجزة ، والخصوصية إنّما حصلت من تركّب هذه المعاني ، كما أنّ لفظ « الرقبة » في قولك : رقبة مؤمنة قد استعملت في مطلق الرقبة ، والمؤمنة في مطلق المؤمنة ، والخصوصيّة إنّما حصلت من انضمامها . فإن قلت : موضوعية الجامع المحكي لمفهوم الابتداء المحتاج في التعقّل إلى المتعلّق هو موضوعيّة الفرد الخاصّ الموجود في قولك : « سرت من البصرة » على أن يكون القيد خارجا والتقيّد داخلا لصدق ذلك العنوان عليه واتّحاده معه . قلت : حكم الموضوعية لا تسرى من الجامع إلى أفراده ، ألا ترى أنّ مفهوم الحيوان الناطق موضوع له للفظ الإنسان مع عدم كون أفراده كذلك . فإن قلت : إنّ التبادر يقضى بأنّ معنى « من » هو خصوصيات الابتداء . قلت : من المعلوم بالوجدان أنّ معنى « من » لا يتفاوت بتفاوت التراكيب ، وأنّه معنى كلّى ، وإن كنت شاكّا في ذلك فأخبرني عن كلمة « من » في قولك : « من البصرة سرت » قبل التلفظ بلفظ « البصرة » هل تفيد معنى عند العرف أو لا ؟ وإن أفاد فهل هو إلّا مطلق المبدئية العاجزة الناقصة ؟ الشبهة الثانية : إنّه لا شك أن المعاني الحرفية آلات للحاظ حال متعلّقاتها ولازم ذلك كونها مقيّدة باللحاظ ، وهو الوجود الذهني ومأخوذيته في حقيقتها ، والماهيّة إذا أخذت مع الوجود ذهنيّا كان أو خارجيّا تصير جزئيّا حقيقيّا فمعنى « من » مثلا على هذا يتعدّد بتعدّد اللحاظ ، ولو كان متعلّقه فيهما شيئا واحدا ضرورة تعدّد المقيد بما هو مقيّد بتعدّد قيده .