الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

55

الاجتهاد والتقليد

الأمر الثاني : في أنّ جواز عمل المتجزّي بما استنبطه وعدم الجواز ، مسألة من المسائل التي لا بدّ فيها إمّا من الاجتهاد أو التقليد ؛ فهل يجب على المتجزّي الاجتهاد في هذا المسألة ، أم يجب عليه الرجوع فيها إلى المجتهد المطلق وتقليده فيها ؟ حتّى يكون ذلك المتجزّي اجتهاده في ساير المسائل وعمله بما اجتهده اجتهادا عن تقليد ؛ أو نقول تقليدا في اجتهاد فأمر ذلك المتجزّي دائر بين المحذورين ، وجوب الاجتهاد ووجوب التقليد المستلزم لحرمة الاجتهاد . ومقتضى القاعدة فيما دار الأمر فيه بين المحذورين ، الأخذ بالقدر المتيقّن إن كان موجودا في البين ، كما لو كان أحد الطرفين إجماعيّا ؛ وإن لم يكن في البين قدر متيقّن ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّح ؛ فإن كان المرجّح في أحد الطرفين ، فالأخذ به متيقّن ؛ وإن تساويا من جميع الوجوه ، فالحكم التخيير . وفيما نحن فيه ، لمّا لا يكون وجوب التقليد إجماعيّا ، ولا وجوب اجتهاده في هذه المسألة إجماعيّا أيضا ، فيرتفع اليد عن الأخذ بالقدر المتيقّن ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّح ، وهو موجود في جانب الاجتهاد ، لأنّ ذلك الشخص لو اجتهد في هذه المسألة ، لكان اجتهاده مفيدا للظنّ ؛ فتأمّل ، لأنّ الاجتهاد لا يلازم الظنّ ، لإمكان أن يصير متوقّفا بعد الاجتهاد ، ولو بنى على التقليد كان مفيدا للوهم ، والظنّ راجح على الوهم . فإن قلت : رجحان الظنّ على الوهم كلّيّا ممنوع ، لأنّ الظنّ الحاصل من القياس إذا تعارض مع الوهم الحاصل من التقليد ، فلا ريب في رجحان الوهم حينئذ على الظنّ ، فلعلّ هذا الظنّ من قبيل الظنّ الحاصل من القياس في عدم الاعتبار . قلت : حاصل ما ذكرت تساوي الظنّ والوهم من هذه الحيثيّة أيضا ، بمعنى أنّه كما يحتمل أن يكون الظنّ غير معتبر كذلك يحتمل أن يكون الوهم غير معتبر ، ولكن الظنّ بنفسه مع قطع النظر عن الاعتبار وعدمه راجح على الوهم من حيث هو هو ، ولا ضير في صيرورة الشيء الذي ليس معتبرا في حدّ ذاته مرجّحا لدليل شرعي ،