الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
141
الاجتهاد والتقليد
لأنّا نقول : لم ندّع الاتّفاق على أنّ الحسن والقبح ذاتيان للأشياء ، بل ادّعينا الاتّفاق على تبعيّة الأحكام للصفات الكامنة ، وهذا أعمّ من أن يكون الصفات ذاتيّة للأشياء أو بالوجوه والاعتبار ، بمعنى أنّ الصلاة مثلا كانت حسنا فأمر بها الشارع ، فسبب الأمر هو الحسن كائنا ما كان ، لا أنّه بعد ما أمر صارت حسنا . أقول : في هذا الإجماع شائبة التقييديّة ؛ فتدبّر . ويدلّ عليه وجوه ثلاثة : الأوّل : العيان والوجدان ، فإنّ الطبيب لو قال لمن عرضه القولنج مثلا : اشرب الخمر ولا تقلّل الدم ، ثمّ اعتقد المريض أنّ المأمور به تقليل الدم وأتى به يضرّه بل يقلّله ، وكذا لو اعتقد القدح المملوّ من السمّ ماء فشربه فانّه يهلكه ، وأوضح منها في المثال لما نحن فيه ما لو أمر المولى عبده باشتراء اللحم مثلا ، فاعتقد أنّه أمره باشتراء الخبز واشتراه ، فإنّ المولى يقول له حينئذ : لم اشتريت الخبز ؟ ولو اعتذر إنّى اعتقدت إنّك أمرتني باشتراء الخبز لم يعاقبه ، لكن يأمره ثانيا باشتراء اللحم . ولو كان العلم والجهل مغيّرين ، لما كان كذلك . الثاني : أنّه لو كان كذلك لزم الدور ، بيانه أنّ الأوامر متوقّف على علمه بالتكليف ، والعلم بالتكليف متوقّف على تكليفه تعالى ، وهو متوقّف على حسن هذا التكليف ، فلو كان حسن هذا التكليف متوقّفا على علمه لزم الدور المضمر . وزائد لي في لزوم الدور نظر باعتبار عدم تسليم توقّف علمه بهذا التكليف على تكليف اللّه ، فإنّ العقل حاكم بهذا التكليف ؛ سلّمنا ، لكن نمنع توقّف تكليفه تعالى بهذا التكليف على حسنه ؛ فتأمّل . الثالث : أنّه لو كان للعلم والجهل مدخليّة في الحسن والقبح لزم التصويب ، فإنّه حينئذ يلزم أن يكون الحسن هو ما فهمه المجتهدون ، فيلزم أن يكون الأحكام تابعة لآراء المجتهدين ، وما التصويب إلّا هذا ، وقد قام الإجماع وسائر الأدلّة على بطلان التصويب .