الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

140

الاجتهاد والتقليد

فإن قلت : لعلّ الأشياء خالية عن المصلحة والمفسدة في ذاتها ، لكن اللّه تعالى أمر ببعضها ونهى عن بعضها للإطاعة ، أما ترى أنّه تعالى أمر بما يكرهه الطبيعة الإنسانيّة ويكون فيه التعب على النفس كالصلاة والصوم مثلا ، واتلاف المال كالزكاة والخمس مثلا ، ونهى عمّا يشتهيها كالزنا والغناء والنظر إلى الأجنبيّة ونحوها . قلت أوّلا : هذا لا يتمّ في غير الواجبات والمحرّمات . وثانيا : إنّ بعض المحرّمات ممّا تستكرهه النفس كتناول العذرة والتراب مثلا ، فلو كان العلّة ما ذكرت لكان أكل العذرة مأمورا له . وثالثا : سلّمنا ذلك في نوع الواجبات والمحرّمات ، وأمّا في أشخاصها كما في جعل صلاة الصبح ركعتين وصلاة الظهر أربع مثلا ، مع أنّ التكليف يقتضي أن يكون صلاة الصبح أكثر مثلا ، فلا بدّ من أمر ذاتي يصير مرجّحا وإلّا للزم ما لزم . فإن قلت : المرجّح هو الإرادة ، كما يقولون مثل ذلك في وضع الألفاظ . قلت : الأمر الذي تقول بأنّ الإرادة سبب للترجيح فيه ، إمّا اختياريّ كما فيما نحن فيه ، وإمّا اضطراري كما في قدحى العطشان وكما في أفراد الواجبات التخييريّة ، والمسلّم من ضرورة الإرادة مرجّحة إنّما هو في القسم الثاني ، لأنّه لا مفرّ من ارتكاب أحد الأمور فيه بخلاف القسم الأوّل ، فإنّه غير مسلّم فيه ، بل نسأل عن المرجّح المقتضي لتعلّق الإرادة بهذا دون ذلك فيه ، هذا مضافا إلى أنّ اتّفاق الإماميّة قائم على أنّ الأحكام تابعة للصفات الكامنة ، والوجدان والعيان شاهدا صدق عليه ، ومن قال بأنّ الحسن والقبح بالوجوه والاعتبار استثنى العلم والجهل صحّ . الثانية : إنّ العلم والجهل لا يغيّران الحسن والقبح الذاتيّين ، بمعنى أن يصير الجهل سببا لصيرورة القبيح حسنا والحسن قبيحا . لا يقال : إنّ الإماميّة اختلفوا فذهب بعضهم أنّ حسن الأشياء وقبحها ذاتيان وذهب بعضهم إلى أنّها بالوجوه والاعتبار ، فكيف ادّعيت الاتّفاق ؟