عبد القاهر الجرجاني

357

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، من أنّ له حسنا ومزيّة ، وأنّ فيه بلاغة عجيبة ، وظنّوه وهما منّا وتخيّلا . ولسنا نستطيع في كشف الشّبهة في هذا عنهم ، وتصوير الذي هو الحقّ عندهم ، ما استطعناه في نفس النظم ، لأنّا ملكنا في ذلك أن نضطرّهم إلى أن يعلموا صحّة ما نقول . وليس الأمر في هذا كذلك ، فليس الداء فيه بالهيّن ، ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كلّ أحد مسعفا ، والسّعي منجحا ، لأنّ المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصوّر لهم شأنها ، أمور خفيّة ، ومعان روحانيّة ، أنت لا تستطيع أن تنبّه السامع لها ، وتحدث له علما بها ، حتى يكون مهيّئا لإدراكها ، تكون فيه طبيعة قابلة لها ، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزيّة على الجملة ومن إذا تصفّح الكلام وتدبّر الشعر ، فرّق بين موقع شيء منها وشيء ، ومن إذا أنشدته قوله : [ من السريع ] لي منك ما للنّاس كلّهم * نظر وتسليم على الطّرق " 1 " وقول البحتريّ : [ من الكامل ] وسأستقلّ لك الدّموع صبابة * ولو أنّ دجلة لي عليك دموع " 2 " وقوله : [ من الطويل ] رأت فلتات الشّيب فابتسمت لها * وقالت : نجوم لو طلعن بأسعد " 3 " وقول أبي نواس : [ من البسيط ]

--> ( 1 ) البيت لشمروخ ، وهو : أبو عمارة محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي ، وهي أبيات من معجم الشعراء ( 438 ) ، والزهرة ( 10 ) ، ومصارع العشاق ( 174 ) ، غير منسوب وأبياته هي : يا من بدائع حسن صورته * تثنى إليه أعنة الحدق لي منك ما للناس كلهم * نظر وتسليم على الطرق لكنهم سعدوا بأمنهم * وشقيت حين أراك بالفرق سلموا من البلوى ولي كبد * حرى ودمعة هائم ملق " شاكر " . ( 2 ) البيت في الديوان ( 1 / 282 ) يودع إبراهيم بن حسن بن سهل . ( 3 ) البيت في ديوانه ، وفلتات الشيب أول ما أسرع إليه من الشيب .