عبد القاهر الجرجاني
358
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ركب تساقوا على الأكوار بينهم * كأس الكرى ، فانتشى المسقيّ والسّاقي كأنّ أعناقهم ، والنّوم واضعها * على المناكب ، لم تعمد بأعناق " 1 " وقوله : [ من الكامل ] يا صاحبيّ عصيت مصطبحا * وغدوت للّذّات مطّرحا فتزوّدوا منّي محادثة ، * حذر العصا لم يبق لي مرحا " 2 " وقول إسماعيل بن يسار : [ من السريع ] حتّى إذا الصّبح بدا ضوؤه * وغابت الجوزاء والمرزم خرجت والوطء خفيّ كما * ينساب من مكمنه الأرقم " 3 " - أنق لها ، وأخذته الأريحيّة عندها ، وعرف لطف موقع " الحذف " و " التنكير " في قوله : نظر وتسليم على الطّرق وما في قول البحتري : " لي عليك دموع " من شبه السّحر ، وأنّ ذلك من أجل تقديم " لي " على " عليك " ، ثم تنكير " الدّموع " وعرف كذلك شرف قوله : وقالت : نجوم لو طلعن بأسعد وعلوّ طبقته ، ودقّة صنعته . والبلاء ، والدّاء العياء ، أن هذا الإحساس قليل في الناس ، حتى إنّه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله ، أو رسالة يكتبها ، الموقع
--> ( 1 ) البيتان في ديوانه ( 123 ) ، في آخر باب المدائح ( الفصل الثالث ) ، ( ط ) دار العرب للبستاني وهما في أربعة أبيات ينعت قوما قد سكروا من النعاس فمالت أعناقهم والبيتان بعدهما : ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة * حتى أناخوا إليكم قبل إشراق من كل جائلة النسعين ضامرة * مشتاقة حملت أنفاس مشتاق ( 2 ) البيتان لأبي نواس في ديوانه ( 246 ) ، في باب الخمريات وهما يتصدران مجموعة أبيات آخرها : يثني العجاج على مفارقة * بمعقب لم يعد أن وقحا ولقد حزنت فلم أمت حزنا * ولقد فرحت فلم أطر فرحا ( 3 ) البيتان في الأغاني ( 4 / 408 ، 409 ، 410 ) ، لإسماعيل بن يسار وغنى الوليد بن يزيد في شعر لإسماعيل بن يسار فقال : من يقول هذا ؟ قالوا : رجل من أهل الحجاز يقول له : إسماعيل بن يسار النسائي ، فكتب في إشخاصه إليه ، فلما دخل عليه استنشده القصيدة التي منها هذان البيتان فأنشده ، فطرب الوليد حتى نزل عن فرشه وسريره ، وأمر المغنين فغنوه الصوت وشرب عليه أقداحا ، وأمر لإسماعيل بكسوة وجائزة سنية ، وسرحه إلى المدينة .