عبد القاهر الجرجاني
350
دلائل الإعجاز في علم المعاني
بالفرزدق ، وأن يقتضى له بالسّبق إليه ، إذ ليس في الجملة التي بنى عليها ما يوجب شيئا من ذلك ، فاعرفه . والنّكتة التي يجب أن تراعى في هذا ، أنه لا تتبيّن لك صورة المعنى الذي هو معنى الفرزدق ، إلا عند آخر حرف من البيت ، حتى إن قطعت عنه قوله " هجائيا " بل " الياء " التي هي ضمير الفرزدق ، لم يكن الذي تعقله منه ممّا أراده الفرزدق بسبيل ، لأن غرضه تهويل أمر هجائه ، والتحذير منه ، أنّ من عرّض أمّه له ، كان قد عرّضها لأعظم ما يكون من الشّرّ . وكذلك حكم نظائره من الشعر ، فإذا نظرت إلى قول القطامي : [ من البسيط ] فهنّ ينبذن من قول يصبن به * مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي " 1 " وجدتك لا تحصل على معنى يصحّ أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه ، إلّا عند قوله " ذي الغلّة " . ويزيدك استبصارا فيما قلناه ، أن تنظر فيما كان من الشعر جملا قد عطف بعضها على بعض بالواو ، كقوله : [ من الكامل ] النّشر مسك ، والوجوه دنا * نير ، وأطراف الأكفّ عنم " 2 " وذلك أنك ترى الذي تعقله من قوله : " النشر مسك " ، لا يصير بانضمام قوله : " والوجوه دنانير " ، إليه شيئا غير الذي كان ، بل تراه باقيا على حاله . كذلك ترى ما تعقل من قوله : " والوجوه دنانير " ، لا يلحقه تغيير بانضمام قوله : و " أطراف الأكفّ عنم " ، إليه . وإذ قد عرفت ما قرّرناه من أنّ من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( ص 81 ) ، والإيضاح ( ص 237 ) ، ولسان العرب ( صدى ) ، وأسرار البلاغة ( نبذ ) . ( 2 ) البيت للمرقش الأكبر في ديوانه ، والمفضليات ( 238 ) ، وفي مفتاح العلوم ( ص 661 ) بتحقيقنا ، وكذلك الإيضاح ( 228 ) ، من قصيدة له مطلعها : هل بالديار أن تجيب صمم * لو كان رسم ناطقا كلّم والبيت في الإشارات ( ص 182 ) ، والأسرار ( ص 123 ) ، واللسان ( قوم ) ، ومعجم الشعراء ( ص 102 ) ، وتاج العروس ( قوم ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ( ص 978 ) ، والاشتقاق ( ص 46 ) . والنشر : الريح ، يقول ريحههن كالمسك . دنانير : ممنوع من الصرف ويقرؤه كثير من الناس هنا مصروفا ، وهو خطأ رواية ، والعنم : شجر أحمر لين الأغصان شبه حمرة أطراف الأصابع به .