عبد القاهر الجرجاني

351

دلائل الإعجاز في علم المعاني

شيئا غير الذي كان ، وأنه يتغير في ذاته ، فاعلم أنّ ما كان من الشعر مثل بيت بشّار : [ من الطويل ] كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه " 1 " وقول امرئ القيس : [ من الطويل ] كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي " 2 " وقول زياد : [ من الطويل ] وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا * لكالبحر ، مهما يلق في البحر يغرق " 3 " كان له مزيّة على قول الفرزدق فيما ذكرنا ، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق جملة تؤدّي معنى ، وإن لم يكن معنى يصحّ أن يقال إنه معنى فلان ، ولا تجد في صدر هذه الأبيات ما يصحّ أن يعد جملة تؤدّي معنى ، فضلا عن أن تؤدّي معنى يقال إنه معنى فلان . ذاك لأن قوله : " كأن مثار النّقع " إلى : " وأسيافنا " ، جزء واحد و " ليل تهاوى كواكبه " بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت بكلام . وهكذا سبيل البيتين الآخرين . فقوله : " كأن قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها " ، جزء وقوله : " العناب والحشف البالي " الجزء الثاني وقوله : " وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا " جزء ، وقوله : " لكالبحر ، الجزء الثاني ، وقوله : " مهما تلق في البحر يغرق " ، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلّق بقوله : " لكالبحر " ، فإنها لمّا كانت مبيّنة لحال هذا التشبيه ، صارت كأنها متعلّقة بهذا التشبيه ، وجرى مجرى أن تقول : " لكالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلّا غرق " .

--> ( 1 ) البيت لبشار في ديوانه ( 1 / 318 ) ، والمصباح ( 106 ) ، ويروى ( رؤوسهم ) بدلا من ( رؤوسنا ) ، وأسرار البلاغة ( ص 174 ، 194 ، 195 ، 198 ) ، والتبيان للطيبي ( ص 278 ) ، ومثار النقع : الغبار الذي أثاره المتحاربون ، وتهاوى : تتساقط . ويرى عبد القاهر أن الشاعر جعل الكواكب تهاوى فأتم التشبيه وعبّر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب . . . ويرى أنه نظم هذه الدقائق في نفسه ثم أحضرت صورها بلفظة واحدة ونبّه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة وهي قوله ( تهاوى ) لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها فأما إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة . ( أسرار البلاغة ) . ( 2 ) سبق تخريجه انظر ( ص 79 ) . ( 3 ) سبق في ( ص 79 ) فانظره .