عبد القاهر الجرجاني

324

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا ، لكان قوله : " فما أسأت الاتّباع " محالا ، لأنه على كل حال لم يتّبعه في اللفظ . ثم إنّ الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى . وذلك أنّ هاهنا معنيين : أحدهما : أصل ، وهو : علم الطّير بأن الممدوح إذا غزا عدوّا كان الظفر له ، وكان هو الغالب . والآخر فرع ، وهو : طمع الطير في أن تتّسع عليها المطاعم من لحوم القتلى . وقد عمد النابغة إلى " الأصل " ، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب ، فذكره صريحا ، وكشف عن وجهه ، واعتمد في " الفرع " الذي هو طمعها في لحوم القتلى ، وأنها لذلك تحلّق فوقه على دلالة الفحوى . وعكس أبو نواس القصّة ، فذكر " الفرع " الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا ، فقال كما ترى : ثقة بالشّبع من جزره " 1 " وعوّل في " الأصل " ، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح ، على الفحوى . ودلالة الفحوى على علمها أنّ الظفر يكون للممدوح ، هي في أن قال : " من جزره " ، وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح ، حتى تعلم أنّ الظفر يكون له . أفيكون شيء أظهر من هذا في النّقل عن صورة إلى صورة ؟ أرجع إلى النّسق - ومن ذلك قول أبي العتاهية : [ من الخفيف ] شيم فتّحت من المدح ما قد * كان مستغلقا على المدّاح " 2 " مع قول أبي تمام : [ من الكامل ] نظمت له خرز المديح مواهب * ينفثن في عقد اللّسان المفحم " 3 "

--> ( 1 ) عجز بيت لأبي نوّاس صدره : يتأيى الطير غدوته والبيت سبق تخريجه . ( 2 ) الديوان ( 515 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( ص 295 ) من قصيدة يمدح فيها أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة مطلعها : نثرت فريد مدامع لم تنظم * والدمع يحمل بعض شجو المغرم والنفث : البصاق اليسير . والمفحم : العييّ عن قول الشعر . وجاء البيت في نسخة " المقحم " بالقاف ومعناها : الضعيف .