عبد القاهر الجرجاني

323

دلائل الإعجاز في علم المعاني

مع قول أبي نواس : [ من الرمل المجزوء ] وإذا مجّ القنا علقا * وتراءى الموت في صوره راح في ثنيي مفاضته * أسد يدمى شبا ظفره تتأيّى الطّير غدوته * ثقة بالشّبع من جزره " 1 " المقصود البيت الأخير . وحكى المرزباني قال : " حدثني عمرو الورّاق قال : رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها : [ من الرمل المجزوء ] أيّها المنتاب عن عفره " 2 " فحسدته ، فلما بلغ إلى قوله : تتأيّى الطّير غدوته * ثقة بالشّبع من جزره " 3 " قلت له : ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول : " إذا ما غدا بالجيش " ، البيتين ، فقال : اسكت ، فلئن كان سبق فما أسأت الأتباع " . وهذا الكلام من أبي نواس دليل بيّن في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة .

--> ( 25 / 120 ) ، والأول منهما في خزانة الأدب ( 4 / 289 ) ، والشعر والشعراء ( ص 175 ) ، ولسان العرب ( عصب ) ، ( حلق ) ، وبلا نسبة في شرح التصريح ( 2 / 227 ) ، وشرح المفصّل ( 1 / 68 ) . والثاني : في أساس البلاغة ( جنح ) ، ومقاييس اللغة ( 3 / 99 ) . وفي الأول : عصائب : الجماعة من الطير . أي : أن الجوارح من الطيور تحلّق فوق القتلى لتنال منهم . وفي الثاني : جوانح : أي : مائلات . وهذه القصيدة مطلعها : كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب قالها يمدح فيها عمرو بن الحارث الأصفر بن الحارث الأعرج حين لجأ إليه في الشام . ( 1 ) الأبيات في الديوان ( ص 66 ) ، والأغاني ( 25 / 118 ) من قصيدة له مطلعها : أيها المنتاب من عفره * لست من ليلى ولا سمره يمدح العباس بن عبيد اللّه بن أبي جعفر المنصور . والمفاضة : الدرع الواسعة . والشبا : اسم جمع لشباة وهي إبرة العقرب شبه بها ظفره والمراد قوته . والبيت الأخير من قولهم : تركوهم جزرا للسباع : أي : قطعا من جزر الشيء يجزره جزرا : قطعه ، وجزر الناقة : نحرها وقطّعها ، وفي هذا قال عنترة في ابني ضمضم : إن يفعلا فلقد تركت أباهما * جزر السباع وكل نسر قشعم وتأيى الشخص : قصد شخصه وتعمّده ، والتأيّي : التنظّر والتّؤدة وتأيّيت عليه : تثبّت وتمكثت . ( 2 ) مطلع قصيدة لأبي نواس وعجز البيت : لست من ليلى ولا سحره ( 3 ) سبق تخريجه .