عبد القاهر الجرجاني

309

دلائل الإعجاز في علم المعاني

مصنوعا ، ويكون ذلك إمّا لأن متأخّرا قصّر عن متقدم ، وإمّا لأن هدي متأخّر لشيء لم يهتد إليه المتقدّم . ومثال ذلك قول المتنبّي : [ من السريع ] بئس اللّيالي سهدت من طربي * شوقا إلى من يبيت يرقدها " 1 " مع قول البحتري : [ من الكامل ] ليل يصادفني ومرهفة الحشا * ضدّين أسهره لها وتنامه " 2 " وقول البحتري : [ من البسيط ] ولو ملكت زماعا ظلّ يجذبني * قودا لكان ندى كفّيك من عقلي " 3 " مع قول المتنبي : [ من الطويل ] وقيّدت نفسي في ذراك محبّة * ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا " 4 " وقول المتنبي : [ من الكامل ] إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرض * ومن فوقها والبأس والكرم المحض " 5 "

--> ( 1 ) البيت له في ديوانه ( ص 50 ) ، والتبيان ( 1 / 206 ) ، وجاءت الرواية بلفظ : " سهدت " بدلا من " سهرت " ، وبئس للذّم . سهدت : سهرت . أي : أنا أسهر الليالي أرقا متشوقا إلى الحبيب الذي ينام ملء عينيه وهو غير مشوق لي . فهو يذم الليالي التي سهر فيها ولم ينم لما أخذه من القلق وخفة الشّوق إلى من يحب . ( 2 ) يمدح به ابن بسطام ( الديوان 3 / 2037 ) . ( 3 ) الزّمع والزّماع : المضاء في الأمر والعزم عليه ويقال : أزمعت الأمر ولا يقال أزمعت عليه والزّماع هنا العزم على الرحيل . والعقل : جمع عقال وهو الحبل الذي يشدّ به البعير . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 2 / 127 ) ، والتبيان ( 1 / 202 ) ، والبيت من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة ( 953 م ) وأنشده إياها في ميدانه بحلب وهما على فرسيها والقصيدة مطلعها : لكل امرئ من دهره ما تعوّدا * وعادة سيف الدولة الطعن في العدى والذري الستر والكنف ، والمعنى : يقول : أقمت عندك حبالك وبين سبب الإقامة بالمصراع الأخير وأن إحسانه إليه هو الذي قيده وفيه نظر إلى قول الطائي : وتركي سرعة الصدر اغتباطا * يدل على موافقة الورود وكقوله : هممي معلقة عليك رقابها * مغلولة أن الوفاء إسار ( 5 ) البيت له في ديوانه ( 2 / 114 ) ، وفي شرح التبيان على ديوان للعكبري ( 1 / 414 ) ، وهو مطلع قصيدة قالها في سيف الدولة يعوده من مرض ، اعتل : مرض ، ومن فوقها : البشر ، والمحض : الخالص ، واليأس : الشدة والسّطوة . والمعنى : إذا اعتل سيف الدولة اعتلت لعلته الأرض ومن