عبد القاهر الجرجاني
291
دلائل الإعجاز في علم المعاني
وقولهم : " أفصح الأعجمي " ، و " فصح اللّحّان " و " أفصح الرّجل بكذا " ، إذا صرّح به وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان ، لوجب إذا وجدت كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة في اللّفظ ؛ أن لا توجد كلمة على تلك الصّفة ، إلا وجب لها أن تكون فصيحة ، وحتى يجب إذا كانت " فقهت الحديث " بالكسر أفصح منه بالفتح ، أن يكون سبيل كلّ فعل مثله في الزّنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح . ثم إنّ فيما أودعه ثعلب كتابه ، ما هو أفصح ، من أجل أن لم يكن فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه ، ومثل أنّ " وقفت " أفصح من " أوقفت " ، أفترى أنّه حدث في " الواو " و " القاف " و " الفاء " بأن لم يكن معها الهمزة ، فضيلة وجب لها أن تكون أفصح ؟ وكفى برأي هذا مؤدّاه تهافتا وخطلا ! وجملة الأمر أنه لا بدّ لقولنا " الفصاحة " من معنى يعرف ، فإن كان ذلك المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة ، فينبغي أن يشار لنا إليه ، وتوضع اليد عليه . ومن أبين ما يدلّ على قلة نظرهم ، أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه " الفصاحة " ، أن " الاستعارة " عنوان ما يجعل به " اللفظ " فصيحا ، وأن " المجاز " جملته ، و " الإيجاز " من معظم ما يوجب للّفظ الفصاحة . وأنت تراهم يذكرون ذلك ويعتمدونه ، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم " الفصاحة " للفظ بهذه المعاني ، اعتراف بصحّة ما نحن ندعوهم إلى القول به ، من أنّه يكون فصيحا لمعناه . أما " الاستعارة " ، فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه ، من أن المستعار بالحقيقة يكون معنى " اللفظ " ، واللّفظ تبع ، من حيث أنا لا نقول : " رأيت أسدا " ، ونحن نعني رجلا ، إلّا على أنّا ندّعي أنّا رأينا أسدا بالحقيقة ، من حيث نجعله لا يتميّز عن الأسد في بأسه وبطشه وجرأة قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون أن يجعلوا " الاستعارة " وصفا للّفظ من حيث هو لفظ ، مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت : " رأيت أسدا " ، كنت نقلت اسم " الأسد " إلى " الرجل " ، أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في معنى شجاع . أفترى أن لفظ " الأسد " لما نقل عن السبع إلى " الرجل " المشبه به ، أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا ؟ ثم إن من " الاستعارة " قبيلا " 1 " لا يصحّ أن يكون المستعار فيه " اللفظ " البتّة ،
--> ( 1 ) القبيل : الكفيل والعريف والضامن القاموس " قبل " ( 1351 ) .