عبد القاهر الجرجاني

292

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ولا يصحّ أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى . وذلك ما كان مثل " اليد " في قول لبيد : [ من الكامل ] وغداة ريح قد كشفت وقرّة ، * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها " 1 " ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنّ شبهه باليد ، حتى يكون لفظ " اليد " مستعارا له ، وكذلك ليس فيه شيء يتوهّم أن يكون قد شبّهه بالزمام ، وإنما المعنى على أنه شبه " الشّمال " في تصريفها " الغداة " على طبيعتها ، بالإنسان يكون زمام البعير في يده ، فهو يصرّفه على إرادته ، ولما أراد ذلك جعل للشّمال يدا ، وعلى الغداة زماما . وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا . وليس هذا الضّرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف " الفصاحة " للكلام ، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها . والمحاسن التي تظهر به ، والصّور التي تحدث للمعاني بسببه ، آنق وأعجب . وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره ، فانظر إلى قوله : [ من الرجز ] سقته كفّ اللّيل أكواس الكرى " 2 " وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبّه شيئا بالكفّ ، ولا أراد ذلك في " الأكواس " ، ولكن لما كان يقال : " سكر الكرى " ، و " سكر النوم " ، استعار للكرى " الأكواس " ، كما استعار الآخر " الكاس " في قوله : [ من البسيط ] وقد سقى القوم كأس النّعسة السّهر " 3 " ثمّ إنه لمّا كان الكرى يكون في الليل ، جعل الليل ساقيا ، ولما جعله ساقيا جعل له كفّا ، إذ كان السّاقي يناول الكأس بالكفّ . ومن اللّطيف النادر في ذلك ، ما تراه في آخر هذه الأبيات ، وهي للحكم بن قنبر : [ من الطويل ] ولولا اعتصامي بالمنى كلّما بدا * لي اليأس منها ، لم يقم بالهوى صبري ولولا انتظاري كلّ يوم جدى غد ، * لراح بنعشي الدّافنون إلى قبري

--> ( 1 ) سبق ص ( 278 ) هامش ( 2 ) . ( 2 ) أكؤس : جمع الكأس ، وفي مطبوعة الشيخ محمود شاكر : أكواس . ( 3 ) البيت لأبي دهبل الجمحي ، وهو في ديوانه .