عبد القاهر الجرجاني

287

دلائل الإعجاز في علم المعاني

بقوانينه وأصوله ، وليست معاني النّحو معاني ألفاظ ، فيتصوّر أن يكون لها تفسير . وجملة الأمر ، أن " النظم " إنما هو أن " الحمد " من قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ ، و " للّه " خبره ، و " ربّ " صفة لاسم اللّه تعالى ومضاف إلى " العالمين " و " العالمين " مضاف إليه ، و " الرحمن الرحيم " صفتان كالرب ، و " مالك " من قوله : " مالك يوم الدّين " صفة أيضا ، ومضاف إلى يوم . و " يوم " مضاف إلى " الدين " ، و " إيّاك " ضمير اسم اللّه تعالى ، وهو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا ، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم اللّه مكانه لقلت : " اللّه نعبد " ، ثم إنّ " نعبد " هو المقتضى معنى النصب فيه ، وكذلك حكم " إيّاك نستعين " . ثم إنّ جملة " إيّاك نستعين " معطوف بالواو على جملة " إيّاك نعبد " ، و " الصّراط " مفعول ، و " المستقيم " صفة للصّراط ، و " صراط الّذين " بدل من " الصراط المستقيم " ، " وأنعمت عليهم " صلة الذين ، " وغير المغضوب عليهم " صفة " الذين " ، و " الضّالين " معطوف على " المغضوب عليهم " . فانظر الآن هل يتصوّر في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ ؟ وهل يكون كون " الحمد " مبتدأ معنى لفظ الحمد ؟ أم يكون كون " رب " صفة وكونه مضافا إلى " العالمين " معنى لفظ " الرب " ؟ . فإن قيل : إنّه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ ، فإنها تعلم على كل حال من ترتيب الألفاظ ، ومن الإعراب ، فبالرفعة في " الدال " من " الحمد " يعلم أنه مبتدأ ، وبالجر في " الباء " من " رب " يعلم أنه صفة ، وبالياء في " العالمين " يعلم أنه مضاف إليه ، وعلى هذا قياس الكلّ . قيل : ترتيب اللفظ لا يكون لفظا ، والإعراب وإن كان يكون لفظا ، فإنه لا يتصوّر أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب ، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر . وزيادة القول في هذا من خطل الرأي ، فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر ، ومن لم يتنبّه له في أول ما يسمع ، لم يكن أهلا لأن يكلّم . ونعود إلى رأس الحديث فنقول : قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق ، أن تكون " الفصاحة " وصفا للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان . وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر ، ثم لم تر القوم تفكّروا في شيء مما شرحناه بحال ، ولا أخطروه لهم ببال ، بان وظهر أنهم لم يأتوا الأمر من بابه ، ولم يطلبوه من معدنه ، ولم يسلكوا إليه طريقه ، وأنّهم لم يزيدوا على