عبد القاهر الجرجاني
288
دلائل الإعجاز في علم المعاني
أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان القرآن معجزا ، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين ، من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفى من شاكّ غليلا ، ويكون على علم دليلا ، وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا . واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلّة فرأى ظهورها ، استبعد أن يكون قد ظنّ ظانّ في " الفصاحة " أنّها من صفة اللفظ صريحا . ولعمري إنه لكذلك ينبغي ، إلّا أنّا إنما ننظر إلى جدّهم وتشدّدهم وبتّهم الحكم " بأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ " ، فلئن كانوا قد قالوا " الألفاظ " وهم لا يريدونها أنفسها ، وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها ، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ما ينبئ عن غرضهم ، وأن يذكروا أنهم عنوا بالألفاظ ضربا من المعنى ، أن غرضهم مفهوم خاصّ . هذا ، وأمر " النظم " في أنه ليس شيئا غير توخّي معاني النحو فيما بين الكلم ، وأنك ترتّب المعاني ، أوّلا في نفسك ، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك ، وأنّا لو فرضنا أن تخلو الألفاظ من المعاني ، لم يتصوّر أن يجب فيها نظم وترتيب في غاية القوة والظهور ، ثمّ ترى الذين لهجوا بأمر " اللفظ " قد أبوا إلّا أن يجعلوا " النّظم " في الألفاظ . ترى الرّجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتّبة إلّا من بعد أن يفكّر في المعاني ويرتّبها في نفسه على ما أعلمناك ، وثم تفتّشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته ، وتراه ينظر إلى حال السامع ، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتّبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه ، نسي حال نفسه ، واعتبر حال من يسمع منه . وسبب ذلك قصر الهمّة ، وضعف العناية ، وترك النّظر ، والأنس بالتقليد . وما يغني وضوح الدّلالة مع من لا ينظر فيها ، وإنّ الصّبح ليملأ الأفق ، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه ؟ . واعلم أنك لا ترى في الدّنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في " علم الفصاحة والبيان " . أما البديء ، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلّا وإذا تأملت كلام الأوّلين الذين علّموا الناس ، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة ، والتصريح أغلب من التّلويح . والأمر في " علم الفصاحة " بالضد من هذا . فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه ، وجدت جلّه أو كلّه رمزا ووحيا ، وكناية وتعريضا ، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلّا من غلغل الكفر وأدقّ النّظر ، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعيّة يقوى معها على الغامض ، ويصل بها إلى الخفي ، حتى كأنّ بسلا حراما أن تتجلّى معانيهم سافرة