عبد القاهر الجرجاني

286

دلائل الإعجاز في علم المعاني

أردت أن تفصح فيه بالتشبيه ، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع ، ومثال ذلك قول ابن المعتز : [ من مجزوء الكامل ] أثمرت أغصان راحته * لجناة الحسن عنّابا " 1 " ألا ترى أنّك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به ، احتجت إلى أن تقول : " أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن ، شبيه العنّاب من أطرافها المخضوبة " ، وهذا ما لا تخفى غثاثته . من أجل ذلك كان موقع " العناب " في هذا البيت أحسن منه في قوله : وعضّت على العنّاب بالبرد وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرط ، لأنك لو قلت : " وعضّت على أطراف أصابع العنّاب بثغر كالبرد " ، كان شيئا يتكلّم بمثله وإن كان مرذولا . وهذا موضع لا يتبيّن سرّه إلّا من كان ملهب الطبع حادّ القريحة . وفي الاستعارة علم كثير ، ولطائف معان ، ودقائق فروق ، وسنقول فيها إن شاء اللّه في موضع آخر . واعلم أنّا حين أخذنا في الجواب عن قولهم : " إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه ، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله " ، قلنا : " إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين ، قسم تعزى المزيّة فيه إلى اللفظ ، وقسم تعزى فيه إلى النظم " ، وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل ، إذا هو تأمّلها ، شكّ في بطلان ما تعلّقوا به ، من أنه يلزمنا في قولنا : " إنّ الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه " ، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله ، وأنه تهوّس منهم ، وتقحّم في المحالات . وأمّا القسم الذي تعزى فيه المزية إلى " النّظم " فإنهم إن ظنّوا أن سؤالهم الذي اغترّوا به يتّجه لهم فيه ، كان أمرهم أعجب ، وكان جهلهم في ذلك أغرب . وذلك أن " النظم " ، كما بيّنا ، إنّما هو توخّي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه ، والعمل

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 40 ) ط ، دار صادر ، بيروت ، وهو من قصيدة مطلعها : جار هذا الدهر أو آبا * وقراك الهم أو صابا ووفود النجم واقفة * لا ترى في الغرب أبوابا والجناة : القاطفون . العناب : أراد أنامله التي تشبه العناب باحمرارها . ورواية الديوان : " لجناة الحسن " بدل " بجنان الحسن " .