عبد القاهر الجرجاني

237

دلائل الإعجاز في علم المعاني

لفظه ومعناه ، ومنه ما حسن لفظه دون معناه ، ومنه ما حسن معناه دون لفظه " ، ورأوهم يصفون " اللّفظ " بأوصاف لا يصفون بها " المعنى " ، ظنّوا أنّ للّفظ ، من حيث هو لفظ حسنا ومزيّة ونبلا وشرفا ، وأن الأوصاف التي نحلوه إيّاها هي أوصافه على الصّحّة ، وذهبوا عمّا قدّمنا شرحه من أنّ لهم في ذلك رأيا وتدبيرا ، وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرض ، وبين الصّورة التي يخرج فيها ، فنسبوا ما كان من الحسن والمزيّة في صورة المعنى إلى " اللفظ " ، ووصفوه في ذلك بأوصاف هي تخبر عن أنفسها أنها ليست له ، كقولهم : " إنّه حلي المعنى ، وإنه كالوشي عليه ، وإنه قد كسب المعنى دلّا " 1 " وشكلا " 2 " ، وإنه رشيق أنيق ، وإنه متمكّن ، وإنّه على قدر المعنى لا فاضل ولا مقصّر " ، إلى أشباه ذلك مما لا يشكّ أنّه لا يكون وصفا له من حيث هو لفظ وصدى صوت ، إلّا أنّهم كأنهم رأوا بسلا " 3 " حراما أن يكون لهم في ذلك فكر ورويّة ، وأن يميّزوا فيه قبيلا من دبير . وممّا الصّفة فيه للمعنى ، وإن جرى في ظاهر المعاملة على " اللّفظ " ، إلا أنه يبعد عند الناس كلّ البعد أن يكون الأمر فيه كذلك ، وأن لا يكون من صفة " اللفظ " بالصّحة والحقيقة وصفنا اللّفظ بأنه " مجاز " . وذاك أنّ العادة قد جرت بأن يقال في الفرق بين " الحقيقة " و " المجاز " : إنّ " الحقيقة " ، أن يقرّ اللفظ على أصله في اللغة ، و " المجاز " ، أن يزال عن موضعه ، ويستعمل في غير ما وضع له ، فيقال : " أسد " ويراد " شجاع " ، و " بحر " ويراد جواد . وهو وإن كان شيئا قد استحكم في النفوس حتى إنك ترى الخاصّة فيه كالعامّة ، فإنّ الأمر بعد على خلافه . وذاك أنّا إذا حقّقنا ، لم نجد لفظ " أسد " قد استعمل على القطع والبتّ في غير ما وضع له . ذاك لأنه لم يجعل في معنى " شجاع " على الإطلاق ، ولكن جعل الرجل بشجاعته أسدا . فالتجوّز في أن ادّعيت للرجل أنّه في معنى الأسد ، وأنه كأنه هو في قوّة قلبه وشدة بطشه ، وفي أن الخوف لا يخامره ، والذّعر لا يعرض له . وهذا إن أنت حصّلت ، تجوّز منك في معنى اللفظ لا اللفظ ، وإنما يكون اللّفظ مزالا بالحقيقة عن موضعه ، ومنقولا عمّا وضع له ، أن لو كنت تجد عاقلا يقول : " هو أسد " ، وهو لا يضمر في نفسه تشبيها له بالأسد ، ولا يريد إلّا ما يريده إذا قال : " هو شجاع " . وذلك ما لا يشكّ في بطلانه .

--> ( 1 ) الدل : دل المرأة ودلالها التغنج . القاموس مادة / دلل / ( 1292 ) ( 2 ) الشكل : بالكسر والفتح غنج المرأة ودلها وغزلها . القاموس مادة / شكل / ( 1318 ) . ( 3 ) البسل : الحرام والحلال ( ضد ) . القاموس مادة / بسل / ( 1248 ) .