عبد القاهر الجرجاني

238

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وليس العجب إلّا أنهم لا يذكرون شيئا من " المجاز " إلّا قالوا : " إنه أبلغ من الحقيقة " . فليت شعري ، إن كان لفظ " أسد " قد نقل عمّا وضع له في اللغة ، وأزيل عنه ، وجعل يراد به " الشجاع " هكذا غفلا ساذجا ، فمن أين يجب أن يكون قولنا : " أسد " ، أبلغ من قولنا " شجاع " ؟ . وهكذا الحكم في " الاستعارة " ، هي ، وإن كانت في ظاهر المعاملة من صفة " اللفظ " ، وكنا نقول : " هذه لفظة مستعارة " و " قد استعير له اسم الأسد " فإنّ مآل الأمر إلى أنّ القصد بها إلى المعنى . يدلّك على ذلك أنا نقول : " جعله أسدا " و " جعله بدرا " ، و " جعله بحرا " ، فلو لم يكن القصد بها إلى المعنى ، لم يكن لهذا الكلام وجه ، لأن " جعل " لا تصلح إلّا حيث يراد إثبات صفة للشيء ، كقولنا : " جعلته أميرا " و " جعلته واحد دهره " ، تريد أثبتّ له ذلك . وحكم " جعل " إذا تعدّى إلى مفعولين حكم " صيّر " ، فكما لا تقول : " صيرته أميرا " ، إلا على معنى أنّك أثبتّ له صفة الإمارة ، كذلك لا يصحّ أن تقول : " جعلته أسدا " ، إلا على معنى أنك جعلته في معنى الأسد ولا يقال : " جعلته زيدا " ، بمعنى " سمّيته زيدا " ، ولا يقال للرجل : " اجعل ابنك زيدا " بمعنى : " سمّه زيدا " و " ولد لفلان ابن فجعله زيدا " ، وإنّما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصّل . فأمّا قوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] ، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها ، وذلك أن المعنى على أنّهم أثبتوا للملائكة صفة " الإناث " ، واعتقدوا وجودها فيهم . وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم ، أعني إطلاق اسم " البنات " ، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ " الإناث " أو لفظ " البنات " اسما من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة . هذا محال لا يقوله له عاقل . أما تسمع قول اللّه تعالى : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [ الزخرف : 19 ] ؟ فإن كانوا لم يزيدوا على أن أجروا الاسم على الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى بإجرائه عليهم ، فأيّ معنى لأن يقال : " أشهدوا خلقهم " ؟ هذا ، ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة ، ولم يزيدوا على أن وضعوا اسما ، لما استحقّوا إلا اليسير من الذمّ ، ولما كان هذا القول منهم كفرا . والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى . وجملة الأمر أنه إن قيل : " إنه ليس في الدنيا علم قد عرض للناس فيه من فحش الغلط ، ومن قبيح التورّط ، ومن الذهاب مع الظّنون الفاسدة ما عرض لهم في هذا