عبد القاهر الجرجاني

215

دلائل الإعجاز في علم المعاني

إن المعنى : ما حرّم ربّي إلّا الفواحش . قال : وأصبت ما يدلّ على صحّة قولهم في هذا ، وهو قول الفرزدق : [ من الطويل ] أنا الذّائد الحامي الذّمار ، وإنّما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي " 1 " فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيّا . فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم ، ألا ترى أنك لا تقول : " يدافع أنا " و " لا يقاتل أنا " ، وإنما تقول : " أدافع " و " أقاتل " إلا أنّ المعنى لما كان : " ما يدافع إلّا أنا " ، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه " إلّا " ، حملا على المعنى . وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [ البقرة : 173 ] ، [ النحل : 115 ] ، النّصب في " الميتة " هو القراءة ، ويجوز : " إنّما حرّم عليكم " . قال أبو إسحاق : والذي أختاره أن تكون " ما " هي التي تمنع " إنّ " من العمل ، ويكون المعنى : " ما حرّم عليكم إلّا الميتة " ، لأن " إنّما " تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ، ونفيا لما سواه ، وقول الشاعر : وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي المعنى : ما يدافع عن أحسابهم إلّا أو مثلي " . انتهى كلام أبي علي . اعلم أنّهم ، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك ، فإنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه ، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد . وفرق بين أن يكون في الشّيء معنى الشيء ، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق . يبيّن لك أنهما لا يكونان سواء ، أنه ليس كلّ كلام يصلح فيه " ما " و " إلّا " ، يصلح فيه " إنّما " . ألا ترى أنّها لا تصلح في مثل قوله تعالى : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 62 ] ، ولا في نحو قولنا : " ما أحد إلّا وهو يقول ذاك " ، إذ لو قلت : " إنّما من إله اللّه " و " إنّما أحد وهو يقول ذاك " ، قلت ما لا يكون له معنى .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 2 / 153 ) ، من قصيدة قالها عندما بلغ نساء مجاشع فحش جرير بهن فأتين الفرزدق مقيدا فقلن : قبح اللّه قيدك ، فقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت شاعر قوم ، فأحفظنه ففض قيده وقد كان قيد نفسه قبل ذلك وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن ، ورواية الديوان : " أنا الضامن الراعي عليهم وإنما . . . . " . والبيت في الإيضاح ( 126 ) ، والمفتاح ( 403 ) ، ومعاهد التنصيص ( 1 / 260 ) ، وخزانة الأدب ( 4 / 465 ) ، ولسان العرب ( قلا ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ( 2 / 111 ) ، ولسان العرب ( أنن ) ، وتاج العروس ( ما ) ، والمصباح ( 96 ) .