عبد القاهر الجرجاني
216
دلائل الإعجاز في علم المعاني
فإن قلت : إن سبب ذلك أن " أحدا " لا يقع إلّا في النّفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام ، وأن " من " المزيدة في " ما من إله إلّا اللّه " ، كذلك لا تكون إلّا في النفي . قيل : ففي هذا كفاية ، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء ، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في " إنّما " من النّفي مثل ما يكون في " ما " و " إلّا " وكما وجدت " إنما " لا تصلح فيما ذكرنا ، كذلك تجد " ما " و " إلّا " لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه " إنما ، وذلك في مثل قولك : " إنما هو درهم لا دينار " ، لو قلت : " ما هو إلّا درهم لا دينار " ، لم يكن شيئا . وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا " إنما " في معنى " ما " و " إلا " ، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق ، وأن يسقطوا الفرق فإني أبيّن لك أمرهما ، وما هو أصل في كل واحد منهما ، بعون اللّه وتوفيقه . اعلم أن موضع " إنما " على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحّته ، أو لما ينزّل هذه المنزلة . تفسير ذلك أنّك تقول للرجل : " إنّما هو أخوك " و " إنما هو صاحبك القديم " : لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحّته ، ولكن لمن يعلمه ويقرّ به ، إلّا أنك تريد أن تنبّهه للذي يجب عليه من حقّ الأخ وحرمة الصاحب ، ومثله قوله : [ من الخفيف ] إنّما أنت والد ، والأب القا * طع أحنى من واصل الأولاد " 1 " لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد ، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام ، ولكنه أراد أن يذكّره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه كونه بمنزلة الوالد . ومثل ذلك قولهم : " إنّما يعجل من يخشى الفوت " ، وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أنّ من لم يخش الفوت لم يعجل . ومثاله من التنزيل قوله تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [ الأنعام : 36 ] ، وقوله عزّ وجلّ : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ يس :
--> ( 1 ) البيت للمتنبي في ديوانه ( 2 / 226 ) ، ط ، دار الكتب العلمية ، بيروت . من قصيدة مطلعها : جسم الصلح ما اشتهته الأعادي * وأذاعته ألسن الحساد وأرادته أنفس حال تدبي * رك ما بينها وبين المراد والقاطع : أي المقاطع ، أي : أنت والده ، والوالد دائما أحن على الولد من حنو الولد على والده وإن كان الوالد مقاطعا والابن واصلا .