عبد القاهر الجرجاني

209

دلائل الإعجاز في علم المعاني

الكلام ، لم تقله إلا " بالفاء " كقولك : " وأرضى بها من بحر آخر ، فالرّيّ أن ترضى النفوس ثمادها " . فلو أنّ الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع ، لما ظنّ الذي ظن . هذا ، وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة ، ومن يؤخذ عنه ، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليّين فيخفى ذلك له ، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتّى يقع له أن ينتقد على بشار ، فلا غرو أن تدخل الشّبهة في ذلك على الكنديّ . ومما تصنعه " إنّ " في الكلام ، أنك تراها تهيّئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ ، أعني أن تكون محدّثا عنها بحديث من بعدها . ومثال ذلك قوله : [ من البسيط المنخلع ] إنّ شواء ونشوة * وخبب البازل الأمون " 1 " قد ترى حسنها وصحة المعنى معها ، ثم إنك إن جئت بها من غير : " إنّ " فقلت : " شواء ونشوة وخبب البازل الأمون " لم يكن كلاما . فإن كانت النكرة موصوفة ، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها ، فإنك تراها مع " إن " أحسن ، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن ، أفلا ترى إلى قوله : [ من الخفيف ] إنّ دهرا يلفّ شملي بسعدى * لزمان يهمّ بالإحسان " 2 " ليس بخفيّ وإن كان يستقيم أن تقول : " دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح " أن ليس الحالان على سواء ، وكذلك ليس بخفيّ أنك لو عمدت إلى قوله : [ من المديد المشطور ] إنّ أمرا فادحا * عن جوابي شغلك " 3 " فأسقطت منه " إنّ " لعدمت منه الحسن والطّلاوة والتمكّن الذي أنت واجده الآن ، ووجدت ضعفا وفتورا .

--> ( 1 ) الشعر لسلمى بن ربيعة التميمي . والبازل : يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه فهو حينئذ بازل وكذلك الأنثى بغير هاء ، جمل بازل وناقة بازل ، وهو أقصى أسنان للبعير ، سمي بازلا من البزل ، وهو الشق ، وذلك أن نابه وإذا اطلع يقال له : بازل لشقه عن اللحم عن منبته شقا . وقال النابغة في السّنّ وسماها بازلا : مقذوفة بدخيس النحض بازلها * له صريف صريف القعو بالمسد اللسان ( بزل ) . الأمون : الناقة الموثقة الخلق المأمونة العثار . ( 2 ) البيت : لحسان بن ثابت ( الديوان 1 / 517 ) " بسعدى " ، ورد في الديوان " بجمل " . ( 3 ) الشعر لأم السليك بن السلكة ترش ولدها ، وشعرها في شرح الحماسة للتبريزي ( 2 / 191 ، 192 ) .