عبد القاهر الجرجاني
210
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ومن تأثير " إنّ " في الجملة ، أنها تغني إذا كانت فيها من الخبر ، في بعض الكلام . ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال : " هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة ، لإضمارك ما يكون مستقرّا لها وموضعا لو أظهرته . وليس هذا المضمر بنفس المظهر ، وذلك : " إنّ مالا " و " إنّ ولدا " ، و " إنّ عددا " ، أي : " إنّ لهم مالا " فالذي أضمرت هو " لهم " ويقول الرجل للرجل : " هل لكم أحد ؟ إنّ الناس ألب عليكم ؟ " ، فتقول : " إنّ زيدا وإنّ عمرا " أي : " لنا " ، وقال الأعشى : [ من المنسرح ] إنّ محلّا وإنّ مرتحلا * وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا " 1 " ويقول : " إنّ غيرها إبلا وشاء " كأنه قال : " إنّ لنا ، أو : عندنا ، غيرها " ، قال : وانتصب " الإبل " و " الشّاء " كانتصاب " الفارس " إذا قلت : " ما في الناس مثله فارسا " ، وقال : ومثل ذلك قوله : [ من الرجز ] يا ليت أيّام الصّبا رواجعا " 2 " قال : فهذا كقولهم : " ألا ماء باردا " ، كأنه قال : " ألا ماء لنا باردا " وكأنّه قال : " يا ليت أيّام الصبا أقبلت رواجع " . فقد أراك في هذا كلّه أنّ الخبر محذوف ، وقد ترى حسن الكلام وصحّته مع حذفه وترك النّطق به . ثم إنك إن عمدت إلى " إنّ " فأسقطتها ، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر ، لا يحسن أو لا يسوغ . فلو قلت : " مال " ، و " عدد " و " محلّ " و " مرتحل "
--> ( 1 ) البيت للأعشى في ديوانه ( 170 ) ، والأعشى : هو ميمون بن قيس يمدح سلامة ذا قائش ، والبيت في الإيضاح ( 89 ) ، والإشارات والتنبيهات ( 63 ) ، وشرح المرشدي على عقود الجمان ( 1 / 103 ) ، وخزانة الأدب ( 10 / 452 ، 459 ) ، والخصائص ( 2 / 373 ) ، والشعر والشعراء ( 75 ) ، وأمالي ابن الحاجب ( 1 / 345 ) . ( 2 ) الشعر للعجاج في ملحقات ديوانه ( 405 ) ط ، دار صادر ، والعجاج هو : عبد اللّه بن رؤبة بن لبيد ابن صخر بن كثيف بن ربيعة بن سعد بن مالك بن تميم ، وكنيته أبو الشعثاء ، والشعثاء ابنته وكبرى أولاده ، ولقب بالعجاج لقوله : حتى يعجّ عنده من عجعجا والبيت في لسان العرب ( ليت ) بلا نسبة . والمعنى : إنما أراد : يا ليت أيام الصبا لنا رواجع ، نصبه على الحال ، وحكى النحويون أن بعض العرب يستعملها بمنزلة وجدت فيعديها إلى مفعولين ، ويجريها مجرى الأفعال ، فيقول : ليت زيدا شاخصا فيكون البيت على هذه اللغة . لسان العرب ( ليت ) .