عبد القاهر الجرجاني
166
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلّا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهبا في الغموض ، ولا أعجب شأنا ، من هذه التي نحن بصددها ، ولا أكثر تفلّتا من الفهم وانسلالا منها ، وأنّ الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها ، رموز لا يفهمهما إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع ، ومن هو مهيّأ لفهم تلك الإشارات ، حتى كأنّ تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان ، قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم ، ولا يعرفها من ليس منهم . وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن ، ولم يمارسه ، ولم يوفّر عنايته عليه ، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن : " ولو أنّ رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة ، لتبيّن له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها ، أنه عاجز عن مثلها ، ولو تحدّي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها " " 1 " . وقوله وهو يذكر رواة الأخبار : " ورأيت عامّتهم ، فقد طالت مشاهدتي لهم ، وهم لا يقفون على الألفاظ المتخيّرة ، والمعاني المنتخبة ، والمخارج السهلة ، والدّيباجة الكريمة ، وعلى الطبع المتمكّن ، وعلى السّبك الجيد ، وعلى كل كلام له ماء ورونق " " 2 " . وقوله في بيت الحطيئة : [ من الطويل ] متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد " وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلّا من هو خير أهل الأرض ، على أني لم أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه ، وطبعه ، ونحته ، وسبكه ، فيفهم منه شيئا أو يقف للطابع والنّظام والنّحت والسّبك والمخارج السّهلة ، على معنى ، أو يحلى منه بشيء ، وكيف بأن يعرفه ؟ ولربما خفي على كثير من أهله " . واعلم أنّ الداء الدّويّ " 3 " ، والذي أعيى أمره في هذا الباب ، غلط من قدّم الشعر بمعناه ، وأقل الاحتفال باللفظ ، وجعل لا يعطيه من المزيّة إن هو أعطى إلّا ما فضل عن المعنى يقول : " ما في اللفظ لولا المعنى ؟ وهل الكلام إلا بمعناه ؟ " . فأنت تراه لا
--> ( 1 ) وهو في كتابه " حجج النبوة " ( رسائل الجاحظ 3 / 229 ) . ( 2 ) المقصود عامة رواة الأخبار والعبارة من البيان والتبيين ( 4 / 42 ) . ( 3 ) الداء الدوي : أي اللازم مكانه " القاموس : دوى " ( 1656 ) .