عبد القاهر الجرجاني
167
دلائل الإعجاز في علم المعاني
يقدّم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة وأدبا ، واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر ، فإن مال إلى اللفظ شيئا ، ورأى أن ينحله بعض الفضيلة ، لم يعرف غير " الاستعارة " ، ثم لا ينظر في حال تلك " الاستعارة " أحسنت بمجرّد كونها استعارة ، أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين ؟ لا يحفل بهذا وشبهه ، قد قنع بظواهر الأمور ، وبالجمل ، بأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع ، وإنّما همّه أن يروّج عنه . يرى أنّه إذا تكلم في الأخذ والسرقة ، وأحسن أن يقول : " أخذه من فلان ، وألمّ فيه بقول كذا " ، فقد استكمل الفضل ، وبلغ أقصى ما يراد . واعلم أنّا وإن كنا إذا اتّبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه العامّة ، أرانا ذلك أن الصّواب معهم ، وأنّ التعويل ينبغي أن يكون على المعنى ، وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه ، فإنّ الأمر بالضدّ إذا جئنا إلى الحقائق ، وإلى ما عليه المحصّلون ، لأنّا لا نرى متقدّما في علم البلاغة ، مبرّزا في شأوها ، إلّا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ، ويزري على القائل به ويغضّ منه . ومن ذلك ما روي عن البحتري . روي أنّ عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر سأله عن مسلم وأبي نواس : أيّهما أشعر ؟ فقال : أبو نواس . فقال : إن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا . فقال : ليس هذا من شأن ثعلب وذويه ، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله ، إنّما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته . وعن بعضهم أنه قال : رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال : ما هذا ؟ فقلت : شعر الشّنفرى . فقال : وإلى أين تمضي ؟ فقلت : إلى أبي العباس أقرؤه عليه . فقال : قد رأيت أبا عبّاسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدا للشعر ولا مميّزا للألفاظ ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده ، وما هو بأفضل الشعر . فقلت له : أمّا نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه ، فما كان ينشد ؟ قال قول الحارث بن وعلة : [ من الكامل ] قومي هم قتلوا أميم ، أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا ، * ولئن سطوت لأوهنن عظمي " 1 "
--> ( 1 ) البيتان للحارث بن وعلة الجرمي ، وهما في مفتاح العلوم ( 281 ) ، والإيضاح ( 51 ) ، والدرر ( 5 / 123 ) ، وسمط اللآلي ( 305 ، 584 ) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( 304 ) ، وشرح شواهد المغني ( 1 / 63 ) ، وشرح الحماسة للتبريزي ( 1 / 107 ) ، والمؤتلف والمختلف للآمدي ( 197 ) . وأميم : منادى مرخم أميمة ، وكانت تحضه على الأخذ بثأر أخيه ممن قتله من قومه .