عبد القاهر الجرجاني
124
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصّفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف ، كقول ابن الرومي : [ من الطويل ] هو الرّجل المشروك في جلّ ماله * ولكنّه بالمجد والحمد مفرد " 1 " تقديره ، كأنه يقول للسامع : فكّر في رجل لا يتميّز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه ، فإذا حصّلت صورته في نفسك ، فاعلم أنه ذلك الرجل . وهذا فنّ عجيب الشأن ، وله مكان من الفخامة والنّبل ، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقّه . والمعوّل فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمّل ، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله : " الرجل المشروك في جلّ ماله " أن يقول : هو الذي بلغك حديثه ، وعرفت من حاله وقصّته أنّه يشرك في جلّ ماله ، على حدّ قولك : " هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا ، والذي وهب المائة المصطفاة من الإبل " ولا أن يقول إنه على معنى : " هو الكامل في هذه الصفة " ، حتى كأنّ هاهنا أقواما يشركون في جلّ أموالهم ، إلّا أنه في ذلك أكمل وأتم ؛ لأن ذلك لا يتصوّر . وذلك أن كون الرجل بحيث يشرك في جلّ ماله ، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل ، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك ، ولو قيل : " الذي يشرك في ماله " ، جاز أن يتفاوت . وإذا كان كذلك ، علمت أنه معنى ثالث . وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب : " ضع في نفسك معنى قولك : رجل مشروك في جلّ ماله ، ثم تأمل فلانا ، فإنك تستملي هذه الصورة منه ، وتجده يؤديها لك نصّا ، ويأتيك بها كملا " . وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصّادي إلى برد الماء ، فاسمع قوله : [ من الطويل ] أنا الرّجل المدعوّ عاشق فقره * إذا لم تكارمني صروف زماني وإن أردت أعجب من ذلك فقوله : [ من الكامل ] أهدى إليّ أبو الحسين يدا * أرجو الثّواب بها لديه غدا وكذاك عادات الكريم إذا * أولى يدا حسبت عليه يدا إن كان يحسد نفسه أحد ، * فلأزعمنّك ذلك الأحدا " 2 " فهذا كلّه على معنى الوهم والتقدير ، وأن يصوّر في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه ، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 589 ) . ( 2 ) الأبيات لابن الرومي في ديوانه ( 786 ) .