عبد القاهر الجرجاني
125
دلائل الإعجاز في علم المعاني
وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من " الذي " ، فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدّر شيئا في وهمك ، ثم تعبر عنه " بالذي " ، ومثال ذلك قوله : [ من الطويل ] أخوك الّذي إن تدعه لملمّة * يجبك ، وإن تغضب إلى السّيف يغضب " 1 " وقول الآخر : [ من الطويل ] أخوك الّذي إن ربته قال : إنّما * أربت ، وإن عاتبته لان جانبه " 2 " فهذا ونحوه على أنك قدّرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه ، وأحلت السامع على من يعنّ في الوهم ، دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة ، فأعلمته أن المستحقّ لاسم الأخوّة هو ذلك الذي عرفه ، حتى كأنك قلت : " أخوك زيد الذي عرفت أنّك إن تدعه لملمة يجبك " . ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيّل ، جرى على ما يوصف بالاستحالة ، كقولك للرجل وقد تمنّى : " هذا هو الذي لا يكون " ، و " هذا ما لا يدخل في الوجود " ، وكقوله : [ من الكامل ] ما لا يكون فلا يكون بحيلة * أبدا وما هو كائن سيكون " 3 " ومن لطيف هذا الباب قوله : [ من الطويل ] وإنّي لمشتاق إلى ظلّ صاحب * يروق ويصفو إن كدرت عليه " 4 " قد قدّر كما ترى ما لم يعلمه موجودا ، ولذلك قال المأمون : " خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب " . فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم . وأمّا قولنا : " المنطلق زيد " ، والفرق بينه وبين أن تقول : " زيد المنطلق " ، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنّهما سواء من حيث كان الغرض في
--> ( 1 ) البيت لأبي حوط ، حجية بن المضرب الكندي ، وفي شرح الحماسة للتبريزي ( 3 / 98 ) . ( 2 ) البيت لبشار بن برد في ديوانه ، إن ربته أي : أتيت بما يرتاب فيه قال لك أربت أي : انتفت عنك الريبة . ( 3 ) البيت لعبد اللّه بن محمد بن أبي عيينة يقوله لذي اليمينين ، وذو اليمينين طاهر بن الحسن بن رزيق مولى طلحة الطلحات الخزاعي وكان طاهر من أكبر أعوان المأمون ويحكى عنه في سبب التسمية بذي اليمينين أنه ضرب إنسانا بيساره فجعله قسمين . والبيت في الكامل للمبرد ( 26 ) ، وقبله : لما رأيتك قاعدا مستثقلا * أيقنت أنك للهموم قرين فارفض بها وتعرّ من أثوابها * إن كان عندك للقضاء يقين ( 4 ) البيت لأبي العتاهية في ديوانه .