عبد القاهر الجرجاني
123
دلائل الإعجاز في علم المعاني
الواهب المائة المصطفاة " ، ولكن على وجه ثالث ، وهو الذي عليه قول الخنساء : [ من الوافر ] إذا قبح البكاء على قتيل * رأيت بكاءك الحسن الجميلا " 1 " لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل ، ولم تقيّد الحسن بشيء فيتصوّر أن يقصر على البكاء ، كما قصر الأعشى هبة المائة على الممدوح ، ولكنها أرادت أن تقرّه في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ، ولا يشك فيه شاك . ومثله قول حسان : [ من الطويل ] وإنّ سنام المجد من آل هاشم * بنو بنت مخزوم ووالدك العبد " 2 " أراد أن يثبت العبوديّة ، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها ، ولو قال : " ووالدك عبد " ، لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة وعلى ذلك قول الآخر : [ من الطويل ] أسود إذا ما أبدت الحرب نابها * وفي سائر الدّهر الغيوث المواطر واعلم أن للخبر المعرّف " بالألف واللام " معنى غير ما ذكرت لك ، وله مسلك ثمّ دقيق ولمحة كالخلس ، يكون المتأمل عنده كما يقال : " يعرف وينكر " ، وذلك قولك : " هو البطل المحامي " و " هو المتّقى المرتجى " ، وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم ، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى في قولك : " زيد هو المنطلق " ، ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال ، كما كان في قولك : " ووالدك العبد " ، ولكنّك تريد أن تقول لصاحبك : هل سمعت بالبطل المحامي ؟ وهل حصّلت معنى هذه الصفة ؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه ؟ فإن كنت قتلته علما ، وتصوّرته حقّ تصوّره ، فعليك صاحبك واشدد به يدك ، فهو ضالّتك وعنده بغيتك ، وطريقه طريق قولك : " هل سمعت بالأسد ؟ وهل تعرف ما هو ؟ فإن كنت تعرف ، فزيد هو هو بعينه " .
--> ( 1 ) البيت في ديوانها . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 74 ) ، من قصيدة يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه ، والبيتان قبله : لقد علم الأقوام أن ابن هاشم * هو الغصن ذو الأفتان لا الواحد الوغد ومالك فيهم محتد يعرفونه * فدونك فالصق مثل ما لصق القرد سنام المجد : أعلاه .