أبي هلال العسكري
44
الصناعتين ، الكتابة والشعر
عن ساقه ، وزهوه بأطماره ، وإنعال خفّه ، وترقيع ثوبه ، وإظهار سجّادته ؛ وتعليق سبحته ، وخفض صوته ، وخشوع جسمه دون قلبه ، واختلاس مشيته ، وخفّة وطئه بين قومه . ولا يرتشى في حكمه ، ويأخذ على علمه ، ويطلب الدنيا بدينه ، ولا يرفع طرفه من عظمته وكبريائه ، ولا يكلّم الناس من تصنعه وريائه . فهذا الكلام وأمثاله في طول النّفس يدل على اقتدار المتكلم ، وفضل قوّته في التصرّف . وقوله : ويكون سليما من التكلّف . فالتكلّف طلب الشئ بصعوبة للجهل بطرائق طلبه بالسهولة . فالكلام إذا جمع وطلب بتعب وجهد ، وتنولت ألفاظه من بعد فهو متكلّف . مثاله قول بعضهم في دعائه : اللهم ربّنا وإلهنا ، صلّ على محمد نبيّنا ؛ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به ، وأرسخه فيه كرسوخ السّجّيل على أصحاب الفيل ، وانصرنا على كلّ باغ وحسود ، كما انتصرت لناقة ثمود . وقوله : برّيا من سوء الصّنعة . فسوء الصنعة يتصرّف على وجوه : منها سوء التقسيم وفساد التفسير ، وقبح الاستعارة والتطبيق ، وفساد النّسج والسّبك . وسنذكر المحمود من هذه الأبواب ، والمذموم منها فيما بعد إن شاء اللّه . وروى أنه قال : بريّا من الصنعة . فالصّنعة النقصان عن غاية الجودة ، والقصور عن حدّ الإحسان . وهو مثل قول العائب في هذا الأمر - بعد عمل - معناه أنه لم يحكم . ولمّا دخل النابغة يثرب « 1 » وغنى بقوله « 2 » : أمن آل ميّة رائح أو مغتدى ومن هذه القصيدة « 3 » :
--> ( 1 ) يثرب : اسم مدينة الرسول . ( 2 ) ديوانه 34 ، وتمام البيت : عجلان ذا زاد وغير مزود . ( 3 ) ديوانه 37 ، وصدر البيت : بمخضب رخص كأن بنانه