أبي هلال العسكري
45
الصناعتين ، الكتابة والشعر
عنم « 1 » يكاد من اللّطافة يعقد وعرف أنه عيب « 2 » خرج وهو يقول : دخلت يثرب فوجدت في شعري صنعة ، فخرجت منها وأنا أشعر العرب ؛ أي وجدت نقصانا عن غاية التمام . وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر الصولي ، قال : كان ابن الأعرابي يأمر بكتب جميع ما يجرى في مجلسه ، قال : فأنشده رجل يوما أرجوزة أبى تمام في وصف السحاب على أنها لبعض العرب : سارية لم تكتحل بغمض * كدراء ذات هطلان محض موقرة من خلّة وحمض * تمضى وتبقى نعما لا تمضى قضت بها السماء حقّ الأرض « 3 » فقال ابن الأعرابي : اكتبوها ، فلمّا كتبوها قيل له : إنها لحبيب بن أوس ؛ فقال : خرّق خرّق « 4 » ، لا جرم إن أثر الصّنعة فيها بيّن . وقال الفرزدق القصائد تصنّعا ؛ أي معابا ومنقصة عن حدّ الإحسان . وقوله : بعيدا عن التعقيد . والتعقيد ، والإغلاق ، والتقعير سواء . وهو استعمال الوحشىّ ، وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض ؛ حتى يستبهم المعنى . وقد ذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدّم ، ونذكر هاهنا منها شيئا : فمثال الوحشىّ قول بعض الأمراء وقد اعتلّت أمّه فكتب رقاعا وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام : صين امرؤ ورعى ، دعا لامرأة إنقحلة « 5 » مقسئنّة ، قد منيت بأكل الطّرموق ؛ فأصابها من أجله الاستمصال ، أن يمنّ اللّه عليها
--> ( 1 ) العنم : نبت أحمر يصبغ به . ( 2 ) العيب في « يعقد » بالرفع ، وهو ما يسمى بالإقواء ، وهو اختلاف حركة الروى . ( 3 ) السارية : السحابة تأتى ليلا . والخلة ، بالضم : ما فيه حلاوة من النبات . والحمض : ما ملح وأمر من النبات ، وعليه قولهم : الخلة خبز الإبل ، والحمض فاكهتها . ( 4 ) التخريق : التمزيق . ( 5 ) قحل الشيخ : يبس جلده على عظمه وهو قحل وانقحل . واقسأن الرجل : كبر وعسا .