أبي هلال العسكري
34
الصناعتين ، الكتابة والشعر
على أنّ المحتج له لو قال : إن أكثر العادة في السحاب أن يحمد أثره ، ويثنى عليه بعده لما كان مبعدا . ولم أزد عيب أبى تمام بما قلت ، وإنما أردت الإخبار عن وجوه الاشتراك ، وذكر ما يتشعّب منه ، وما يقرب من بابه ، وينظر إليه من قريب أو بعيد . ومثل قول أبى تمام قول ابن قيس الرقيات : إن تعش لا نزل بخير وإن ته * لك نزل مثل ما يزول العماء والعماء : السّحاب . بل هذا أجود من بيت أبى تمام وأبين . ومن اللفظ المشترك قول أبى نواس : وخبن ما يخبن من آخر * منه وللطّابن أمهار « 1 » الأمهار هاهنا جمع مهر ، من قولهم : مهر يمهر مهرا . والمصادر لا تجمع ، ولا يشكّ سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه . وخطب بعض المتكلّمين ، فقال في صفة اللّه تعالى : لا يقاس بالقياس ، ولا يدرك بالالماس . أراد جمع لمس ؛ فأصاب السجع وأخطأ المعنى . وأمّا ما يستبهم فلا يعرف معناه إلا بالتوهّم فهو مثل قول أبى تمام « 2 » : جهميّة الأوصاف إلّا أنهم * قد لقّبوها جوهر الأشياء فوجه الاشتراك في هذا : أن لجهم مذاهب كثيرة ، وآراء مختلفة متشعّبة ، لم يدلّ فحوى كلام أبى تمام على شيء منها يصلح أن يشبّه به الخمر وينسب إليه ، إلا أن يتوهّم المتوهم فيقول : إنما أراد كذا وكذا ، من مذاهب جهم ، من غير أن يدلّ الكلام منه على شيء بعينه . ولا يعرف معنى قوله : « قد لقّبوها جوهر الأشياء » إلا بالتوهّم أيضا . ومن الكلام الخالي من الاشتراك قول بعضهم لأخ له أراد فراقه : لما تصفّحت أخلاقك فوجدتها مباينة لمشاكلتى ، زائغة عن قصد طريقتى - صبرت عليها ؛ رياضة لنفسي على الصبر لمساوى أخلاق المعاشرين ، ولعلمي بكامن العدوان في جميع العالمين ، والذي رجوت من مذمّة خصالك بما أقابلها به من التجاوز ، وأسحب على سوء آثارها
--> ( 1 ) في الديوان ص 92 « وخبن ما يخبن من بعده » . الطابن : الفطن . ( 2 ) ديوانه : 3 .