أبي هلال العسكري
33
الصناعتين ، الكتابة والشعر
حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهّم . فمن الجنس الأول قول جرير « 1 » : لو كنت أعلم أن آخر عهدكم * يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فوجه الاشتراك في هذا أنّ السامع لا يدرى إلى أىّ شيء أشار من أفعاله في قوله : « فعلت ما لم أفعل » . أراد أن يبكى إذا رحلوا ، أو يهيم على وجهه من الغمّ الذي لحقه ، أو يتبعهم إذا ساروا ، أو يمنعهم من المضىّ على عزمة الرحيل ، أو يأخذ منهم شيئا يتذكّرهم به ، أو يدفع إليهم شيئا يتذكرونه به ، أو غير ذلك ، مما يجوز أن يفعله العاشق عند فراق أحبته ، فلم يبن عن غرضه ؛ وأحوج السامع إلى أن يسأله عما أراد فعله عند رحيلهم . وليس هذا كقولهم : لو رأيت عليا بين الصفين ؛ لأن دليل البسالة والنكاية في هذا الكلام بيّن ؛ وأمارة النقصان في بيت جرير واضحة ؛ فمن يسمعه وإن لم يكن من أهل البلاغة يستبرده ويستغثّه ، ويسترجع الآخر ويستجيده . ومثله قول سعد بن مالك الأزدي : فإنك لو لاقيت سعد بن مالك * للاقيت منه بعض ما كان يفعل فلم يبن عما أراد بقوله يلقى . أخيرا أراد أم شرّا ؟ إلا أن يسمع ما قبله أو ما بعده ؛ فيتبيّن معناه ، وأمّا في نفس البيت فلا يتبيّن مغزاه . ومثله قول أبى تمّام « 2 » : وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى * به ما يقال في السحابة تقلع فقول الناس في السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة ؛ فمنهم من يمدحه ، ومنهم من يذمّه ، ومنهم من كان يحبّ إقلاعه ، ومنهم من يكره إقشاعه « 3 » ، على حسب ما كانت حالاتها عندهم ، ومواقعها منهم ؛ فلم يبن بقوله ما يقال في السحابة تقلع معنى يعتمده السامع . وأبين منه قول مسلم : فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة * أثنى عليها السّهل والأوعار
--> ( 1 ) ديوانه : 443 ( 2 ) ديوانه : 373 ، وفيه « أفرد الندى » ( 3 ) أقشعت الريح السحاب : كشفته .