أبي هلال العسكري

32

الصناعتين ، الكتابة والشعر

لا على جهة الاستطراف والتظرّف لها . يقول : ينبغي أن يتكلّم بفاخر الكلام ، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه عنه ، ويقبله منه ، ممن عرف المعاني والألفاظ علما شافيا ؛ لنظره واللغة والإعراب والمعاني على جهة الصناعة ، لا كمن استطرف شيئا منها ؛ فنظر ، به نظرا غير كامل ، أو أخذ من أطرافه ، وتناول من أطراره « 1 » ، فتحلّى باسه ، وخلا من وسمه . فإذا سمع لم يفقه ، وإذا سئل لم ينقه . وإذا تكلّم عند من هذه صفته ذهبت فائدة كلامه ، وضاعت منفعة منطقه ؛ لأنّ العامىّ إذا كلمته بكلام العلية سخر منك ، وزرى عليك ؛ كما روى عن بعضهم أنه قال لبعض العامّة : بم كنتم تنتقلون البارحة ؟ يعنى على النبيذ . فقال : بالحمّالين . ولو قال له : أي شيء كان نقلكم « 2 » لسلم من سخريته . فينبغي أن يخاطب كلّ فريق بما يعرفون ، ويتجنّب ما يجهلون . وأما قوله : « من تعوّد حذف فضول الكلام » . فحذف فضول الكلام هو أن يسقط من الكلام ما يكون الكلام مع إسقاطه تامّا غير منقوص ، ولا يكون في زيادته فائدة . وذلك مثل ما روى عن معاوية أنه قال لصحار العبدي : ما البلاغة ؟ فقال : أن تقول فلا تخطى ، وتسرع فلا تبطئ . ثم قال : أقلني ؛ هو ألّا تخطئ ولا تبطئ . فألقى اللفظتين ؛ لأنّ في الذي أبقى غنى عنهما ، وعوضا منهما . فأما إذا كان في زيادة الألفاظ وتكثيرها ، وترديدها وتكريرها ، زيادة فائدة فذلك محمود ، وهو من باب التذييل . ونشرحه في موضعه إن شاء اللّه . وقوله : ومشتركات الألفاظ ؛ وقول جعفر بن يحيى : وتخرجه من الشركة ؛ فهو أن يريد الإبانة عن معنى فيأتي بألفاظ لا تدلّ عليه خاصة ؛ بل تشترك معه فيها معان أخر ، فلا يعرف السامع أيها أراد . وربما استبهم الكلام في نوع من هذا الجنس

--> ( 1 ) أطراره : أطرافه ( 2 ) النقل : ما يتنقل به على الشراب .