أبي هلال العسكري
31
الصناعتين ، الكتابة والشعر
قال أبو عثمان : رأيتهم يديرون في كتبهم هذا الكلام ، فإن كانوا إنما رووه ودوّنوه لأنه يدلّ على فصاحة وبلاغة فقد باعده اللّه من صفة الفصاحة والبلاغة ؛ وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج ، وشعر الطرماح ، وأشعار هذيل ، يأتي لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك . ولو خاطب أحد الأصمعىّ بمثل هذا الكلام لظننت أنه سيجهل بعضه . وهذا خارج عن عادة البلغاء . وقوله : « ويصفّيها كلّ التصفية ، ويهذّبها كل التهذيب » . فتصفيته تعريته من الوحشىّ ، ونفى الشواغل عنه . وتهذيبه تبرئته من الردىّ المرذول ، والسوقىّ المردود . فمن الكلام المهذّب الصافي قول بعض الكتاب : مثلك أوجب حقا لا يجب عليه ، وسمح بحقّ وجب له ، وقبل واضح العذر ، واستكثر قليل الشكر ، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك ، ونعمة اللّه عليك فوق آمالهم فيك . ومثله قول آخر : ما انتهى إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حادثا من برّك ؛ فلا زالت أياديك ممدودة بين آمل فيك تبلّغه ، وأمل فيك تحقّقه ، حتى تتملّى « 1 » من الأعمار أطولها ، وتنال من الدرجات أفضلها . وقول أحمد بن يوسف : يومنا يوم ليّن الحواشى وطيء النّواحى ، وهذه سماء قد تهلّلت بودقها « 2 » ، وضحكت بعابس غيمها ولا مع برقها ، وأنت قطب السرور ، ونظام الأمور ؛ فلا تغب عنا فنقلّ ، ولا تفردنا فنستوحش ؛ فإن الحبيب بحبيبه كثير ، وبمساعديه جدير . وقوله : ولا يفعل ذلك حتى يلقى حكيما ، وفيلسوفا عليما ، ومن تعوّد حذف فضول الكلام ، ومشتركات الألفاظ ، ونظر في المنطق على جهة الصناعة فيها ،
--> ( 1 ) تملى عمره : استمتع منه . ( 2 ) الودق : المطر .