أبي هلال العسكري
280
الصناعتين ، الكتابة والشعر
فإنه سمين المال ، مهزول المعروف ، قصير عمر المنى ، طويل حيات الفقر . وسأل أعرابي فقيل له : عليك بالصيارف ، فقال : هناك قرارة اللؤم . وذكر أعرابي قوما فقال : أولئك قوم قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء ، ودبغت جلودهم باللؤم ؛ فلباسهم في الدنيا الملامة ، وزادهم في الآخرة الندامة . وذمّ أعرابي قوما فقال : هم أقل دنوا إلى أعدائهم ، وأكثر تجرّما على أصدقائهم ، يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء . وذمّ أعرابي رجلا فقال : ذاك رجل تعدو إليه مواكب الضلالة ، ويرجع من عنده ببدر الآثام ، معدم مما يحب ، مثر مما يكره . وقال أعرابي : ما أشدّ جولة الهوى ! وفطام النفس عن الصّبا ، ولقد تصدعت نفسي للعاشقين ؛ لوم العاذلين قرطة في آذانهم ، ولوعات الحب نيران في أبدانهم . وقال أعرابي : ما رأيت دمعة ترقرق في عين ، وتجرى على خد ، أحسن من عبرة أمطرتها عينها ، فأعشب لها قلبي . وقال أعرابي - وذكر قوما زهّادا - فاز قوم أدّبتهم الحكمة ، وأحكمتهم التجارب ، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة ، ورحل عنهم التسويف الذي قطع به الناس مسافة آجالهم ، فأحسنوا المقال ، وشفعوه بالفعال ، تركوا النعيم ليتنعموا ؛ لهم عبرات متدافعة ؛ لا تراهم إلا في وجه عند اللّه وجيها . ووصف أعرابي واليا فقال : كان إذا ولّى طابق من جفونه ، وأرسل العيون على عيونه ، فهو شاهد معهم ، غائب عنهم ، فالمحسن آمن ، والمسئ خالف . ووصف أعرابي دارا فقال : هي واللّه معتصرة الدموع ، جرّت بها الرياح أذيالها ، وحلّت بها السحاب أثقالها . وذكر أعرابي رجلا فقال : كان الفهم منه ذا أذنين ، والجواب منه ذا لسانين ؛ لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأي منه ، كان واللّه بعيد مسافة الرأي ، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم ، يتحسّى مرارة الإخوان ، ويسيغهم العذب . ووصف أعرابي قومه فقال : كانوا واللّه إذا اصطفوا تحت القتام سفرت بينهم السهام ، بوقوف الحمام ، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها ، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه ،