أبي هلال العسكري

23

الصناعتين ، الكتابة والشعر

وقال ثمامة : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس ، قد جمع الهدوء والتمهّل ، والجزالة والحلاوة . ولو كان في الأرض ناطق يستغنى عن الإشارة لكانه . وقوله « 1 » : « متخيّر الألفاظ » . فمدار البلاغة على تخيّر اللفظ ؛ وتخيّره أصعب من جمعه وتأليفه . وسنشبع الكلام في هذا إن شاء اللّه . وقوله : « يكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة » ، وهو أن يكون صائغ الكلام قادرا على جميع ضروبه ، متمكّنا من جميع فنونه ، لا يعتاص « 2 » عليه قسم من جميع أقسامه . فإن كان شاعرا تصرّف في وجوه الشعر ؛ مديحه وهجائه ومراثيه وصفاته ومفاخره ، وغير ذلك من أصنافه . ولاختلاف قوى الناس في الشعر وفنونه ما قيل : كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، والأعشى إذا طرب . وكذلك الكاتب ربما تقدّم في ضرب من الكتابة وتأخّر في غيره ، وسهل عليه نوع منها وعسر نوع آخر . وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر الصولي ، قال : حدثنا القاسم بن إسماعيل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العباس ، قال : سمعت أحمد بن يوسف يقول : أمرني المأمون أن أكتب إلى النواحي في الاستكثار من القناديل في المساجد في شهر رمضان ، فبتّ لا أدرى كيف أحتذي ، فأتاني آت في منامي فقال : قل : « فإنّ في ذلك عمارة للمساجد ، وأنسا للسابلة « 3 » ، وإضاءة للمتهجّدين ، ونفيا لمكامن الرّيب ، وتنزيها لبيوت اللّه جلّ وعزّ عن وحشة الظّلم » . فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد ، فابتدأت بهذا وأتممت عليه . والمقدّم في صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته ، المتمكّن من

--> ( 1 ) حكيم الهند ص 19 . ( 2 ) لا يعتاص : اعتاص الأمر عليه : اشتد عليه فلم يهتد للصواب . ( 3 ) السابلة : القوم المختلفون على الطرق المسلوكة .