أبي هلال العسكري

261

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الكاهن : والسماء والأرض ، والقرض والفرض ، والغمر والبرض « 1 » . ومثل هذا من السجع مذموم لما فيه من التكلف والتعسف . ولهذا ما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لرجل ، قال له : أندى « 2 » من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ، فاستهلّ ، فمثل ذلك يطل « 3 » : أسجعا كسجع الكهان ! لأن التكلف في سجعهم فاش ، ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعا لقال : أسجعا ؛ ثم سكت ، وكيف يذمه ويكرهه ، وإذا سلم من التكلّف ، وبرئ من التعسّف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه . وقد جرى عليه كثير من كلامه عليه السلام ؛ فمن ذلك ما حدثنا به يوسف الإمام بواسط ، قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد اللّه أبو شهاب عن عوف عن زرارة ابن أوفى عن عبد اللّه بن سلام ، قال : لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة انجفل الناس قبله ؛ فقيل : قدم رسول اللّه ، فجئت في الناس لأنظر إليه . فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء تكلم به أن قال : « أيّها الناس ؛ أفشوا السّلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلّوا بالليل ، والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام » . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم ربما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ واتباع الكلمة أخواتها ؛ كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعيذه من الهامّة ، والسّامّة ، وكل عين لامّة » . وإنما أراد « ملمّة » . وقوله عليه السلام : « ارجعن مأزورات ، غير مأجورات » . وإنما أراد « موزورات » ، من الوزر . فقال : مأزورات ، لمكان مأجورات ، قصدا للتوازن وصحة التسجيع . فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلو من التعسف .

--> ( 1 ) البرض : القليل وماء برض قليل وهو خلاف الغمر . ( 2 ) أندى ، من الدية وذلك حق القتيل . ( 3 ) يطل ؛ من طل دمه ؛ إذا أهدره . ( والعبارة في نقد النثر 107 )