أبي هلال العسكري
262
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقد اعتمد في موضع تجنب السجع وهو معرّض له ، وكلامه كان يطالبه . فقال : « وما يدريك أنه شهيد ، لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ، ويبخل بما لا ينفعه » . ولو قال : بما لا يغنيه ، لكان سجعا . والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر المقامات ، ولعل قوله : « ينفعه » كان أليق بالمقام فعدل إليه . وجوه السجع والسجع على وجوه : فمنها أن يكون الجزءان متوازنين متعادلين ، لا يزيد أحدهما على الآخر ، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه . وهو كقول الأعرابي : سنة جردت ، وحال جهدت ، وأيد جمدت ، فرحم اللّه من رحم ، فأقرض من لا يظلم . فهذه الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان ، والفواصل على حرف واحد . ومثله قول آخر من الأعراب ، وقد قيل له : من بقي من إخوانك ؟ فقال : كلب نابح ، وحمار رامح ، وأخ فاضح . وقال أعرابي لرجل سأل لئيما : نزلت بواد غير ممطور ، وفناء غير معمور ، ورجل غير مسرور ؛ فأقم بندم ، أو ارتحل بعدم . ودعا أعرابي ، فقال : اللهم هب لي حقّك ، وأرض عنى خلقك . وقال آخر : شهادات الأحوال ، أعدل من شهادات الرجال . ودعا أعرابي ، فقال : أعوذ بك من الفقر إلّا إليك ، ومن الذّلّ إلا لك . وقال أعرابي ذهب بابنه السيل : اللهم إن كنت قد أبليت ، فإنك طالما عافيت . وقيل لأعرابى : ما خير العنب ؟ قال : ما اخضرّ عوده ، وطال عموده ، وعظم عنقوده . وقال أعرابي : باكرنا وسمى ، ثم خلفه ولىّ « 1 » . فالأرض كأنها وشى منشور ، عليه لؤلؤ منثور ، ثم أتتنا غيوم جراد ، بمناجل حصاد ، فاحترثت البلاد ، وأهلكت العباد ، فسبحان من يهلك القوىّ الأكول ، بالضعيف المأكول . فهذه الفصول متوازية لا زيادة في بعض أجزائها على بعض ، بل في القليل منها ،
--> ( 1 ) الوسمى : مطر الربيع الأول ، والولىّ : المطر بعد المطر .