أبي هلال العسكري

219

الصناعتين ، الكتابة والشعر

فيهوى ، ويعشق سواء في المعنى وهو حسن ؛ إلّا أنّ أكثر ما يحسن فيه إيراد المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز . ومعنى قوله : « فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم » . داخل في قوله : « لسان الفتى نصف ونصف فؤاده » . والمصراع الثاني إنما هو تذييل للمصراع الأوّل ؛ فإذا أردت أن تحلّه حلّا مقتصرا بغير لفظه قلت : الإنسان شطران : لسان وجنان . ومما لا يمكن حلّه بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى أيضا قول أبى نواس : ألا يا ابن الذين فنوا وبادوا * أما واللّه ما ذهبوا لتبقى فتحل المصراع الأول فتقول : ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا ؛ فيحسن . وتقول في المصراع الثاني : لتبقى أما واللّه ما ماتوا . أو لتبقى ما ماتوا ومضوا ، أما واللّه ؛ فلا يكون ذلك شيئا ؛ فتحتاج في نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه ؛ فتقول : ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء ؛ أما واللّه ما ظعنوا لتقيم ، ولا راموا إلّا لتريم ، ولا ماتوا لتحيا ، ولا فنوا لتبقى . وفي هذه الألفاظ طول ، وليس بضائر على ما خبّرتك ؛ فإن أردت اختصاره قلت : أما واللّه إنّ الموت لم يصبك في أبيك إلّا ليصيبك فيك . والضرب الرابع أن تكسو ما تحلّه من المنظوم ألفاظا من عندك ؛ وهذا أرفع درجاتك . رجوع إلى السرقات ثم نرجع إلى السرقات : قال بعضهم للربيع بن خيثم ، وقد رأى اجتهاده في العبادة : أتعبت نفسك ، قتلت نفسك . فقال : راحتها أطلب . فقال الشاعر « 1 » : سأطلب بعد الدّار عنكم ، لتقربوا * وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا

--> ( 1 ) الوساطة : 229 ، معاهد التنصيص : 1 - 20 . والقائل : العباس بن الأحنف .