أبي هلال العسكري

197

الصناعتين ، الكتابة والشعر

بعينه لبعض البغداديين ؛ فكثر تعجّبى ، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخّر بالسّرق « 1 » من المتقدّم حكما حتما . وسمعت ما قيل : إنّ من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا ، ومن أخذ ببعض لفظه كان له سالخا ، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن تقدّمه . وقالوا : إن أبا عذرة الكلام « 2 » من سبك لفظه على معناه ؛ ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب . على أنّ ابتكار المعنى والسّبق إليه ليس هو فضيلة يرجع إلى المعنى ؛ وإنما هو فضيلة ترجع إلى الذي ابتكره وسبق إليه ؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه ؛ والوسط وسط ، والردىء رديء ، وإن لم يكونا مسبوقا إليهما . وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم ؛ فليس على أحد فيه عيب إلّا إذا أخذه بلفظه كلّه ، أو أخذه فأفسده ، وقصّر فيه عمّن تقدمه ، وربما أخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال ؛ كما فعل النابغة فإنه أخذ قول وهب بن الحارث ابن زهرة : تبدو كواكبه والشمس طالعة * تجرى على الكاس منه الصّاب والمقر « 3 » وقال النابغة « 4 » : تبدو كواكبه والشمس طالعة * لا النّور نور ولا الإظلام إظلام وأخذ قول رجل من كندة في عمرو بن هند : هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت * على كلّ ضوء والملوك كواكب

--> ( 1 ) السرقة . ( 2 ) يريد منشئه ومبتدعه . ( 3 ) الصاب : شبيه بالصبر . ( 4 ) ديوانه : 70