أبي هلال العسكري

170

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ومثله : رأت أمّنا كيصا يلفّف وطبه * إلى الأنس البادين فهو مزمّل « 1 » فقالت فلان قد أغاث عياله « 2 » * وأودى عيال آخرون فهزّلوا ألم يك ولدان أعانوا ومجلس * قريب فيجرى إذ يكفّ ويجمل « 3 » الكيص : الذي ينزل وحده . والوطب : وعاء اللبن . والأنس البادون : أهله لأنه يرده إليهم ، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذي ينزل وحده . مزمل : مبرد « 4 » . فهذه الأبيات سمجة الرّصف ؛ لأنّ الفصيح إذا أراد أن يعبّر عن هذه المعاني ، ولم يسامح نفسه عبّر عنها بخلاف ذلك . وكان القوم لا ينتقد عليهم ، فكانوا يسامحون أنفسهم في الإساءة . فأما مثال الحسن الرّصف من الرسائل فكما كتب بعضهم : ولولا أنّ أجود الكلام ما يدلّ قليله على كثيره ، وتغنى جملته عن تفصيله ، لوسّعت نطاق القول فيما أنطوى عليه من خلوص المودّة ، وصفاء المحبة ؛ فجال مجال الطّرف في ميدانه ، وتصرّف تصرّف الرّوض في افتنانه ؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان بالإطناب . ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء ، وربما كان الكلام مستقيم الألفاظ ، صحيح المعاني ؛ ولا يكون له رونق ولا رواء ؛ ولذلك قال الأصمعي لشعر لبيد : كأنه طيلسان طبرانى ، أي هو محكم الأصل ولا رونق له .

--> ( 1 ) رواية اللسان في مادة كيص : رأت رجلا كيصا يلفف وطبه * فيأتي به البادين وهو مزمل وقال في اللسان بعد أن فسر الكيص بالرجل الأشر وذكر البيت : يحتمل أن تكون ألف كيصا للإلحاق ، ويحتمل أن تكون التي هي عوض من التنوين في النصب . ( 2 ) في الجمهرة : قد أعاش عياله . ( 3 ) في الجمهرة : فنخزى إذا كنا نحل ونحمل . ( 4 ) المزمل : المغطى . وزمل الشئ : أخفاه .