أبي هلال العسكري
141
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء ، منهم زهير ؛ كان يعمل القصيدة في ستة أشهر ويهذّبها في ستة أشهر ، ثم يظهرها ، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك . وقال بعضهم : خير الشعر الحولى المنقّح ؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة في شهر ، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها . وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة ، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها ؛ فلهذا قصر أكثر قصائده . وكان البحتري يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا . وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل ، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير . وتخيّر الألفاظ ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام ؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته ، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه ، وإن اتّفق له أن يكون موقعه في الإطناب والإيجاز أليق بموقعه ، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن ، بارعا في الفضل ؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره ، وأوّله يكشف قناع آخره ، كان قد جمع نهاية الحسن ، وبلغ أعلى مراتب التمام . ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال : أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكي ، قال : أنشدنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر لنفسه : أشارت بأطراف البنان المخضّب * وضنّت بما تحت النقاب المكتّب وعضّت على تفاحة في يمينها * بذى أشر عذب المذاقة أشنب وأومت بها نحوى فقمت مبادرا * إليها فقالت : هل سمعت بأشعب فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء . وينبغي أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره ، ومطابقا هاديه لعجزه ، ولا تتخالف