أبي هلال العسكري

140

الصناعتين ، الكتابة والشعر

قال : سمعت الأشهب بن جميل يقول : أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ ، أنشدت جريرا قوله « 1 » : تصطكّ إلحيها على دلائها * تلاطم الأزد على عطائها حتى بلغت إلى قوله : تجرّ بالأهون من دعائها * جزّ العجوز الثّنى من كسائها « 2 » فقال جرير : ألا قال : « جرّ الفتاة طرفي ردائها » فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته . فقال : واللّه ما أردت إلا ضعفة العجوز ؛ ووقع بينهما الشرّ . وقول جرير : « جرّ العروس طرفي ردائها » . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ : « جرّ العجوز الثنى من كسائها » . وليس في اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة ؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم في الهوينا مقام ضعفة العجوز . وإنكار جرير قوله : « الثّنى من كسائها » نقد دقيق ، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف . وقول جرير : « طرفي ردائها » أسلس وأسهل وأقلّ حروفا . وقولك : رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك : رأيت أن أوعز بذلك ؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون . وعجبت من البحتري كيف قال « 3 » : لعمر الغوانى يوم صحراء أربد * لقد هيّجت وجدا على ذي توجّد ولو قال : « على متوجد » لكان أسهل وأسلس وأحسن . وفي غير هذه الرواية قال ، فقال ابن لجأ لجرير : فقد قلت أعجب من هذا ، وهو قولك « 4 » : وأوثق عند المردفات عشيّة * لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع واللّه لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن .

--> ( 1 ) الموشح 128 ( 2 ) في الموشح : من خفائها . وقال : الخفاء : طرف اللسان . ( 3 ) ديوانه 196 . ( 4 ) ديوانه : 372 ، والموشح : 127 .