عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي
23
سر الفصاحة
فإذا قيل : أعجمت الكتاب ، فمعناه أزلت إبهامه ، كما يقال : أشكيته إذا أزلت ما يشكوه ، لأن هذه اللفظة في كلام العرب للإبهام والخفاء ، ومنه : رجل أعجم ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « جرح العجماء جبار » « 1 » يريد البهيمة ، وعجم الزبيب وغيره أي : المستتر فيه ، وسموا صلاتي الظهر والعصر : عجماوين ؛ لأنه لا يفصح بالقراءة فيهما . والحروف تختلف باختلاف مقاطع الصوت ، حتى شبه بعضهم الحلق والفم بالناي ، لأن الصوت يخرج منه مستطيلا ساذجا ، فإذا وضعت الأنامل على خروقه ووقعت المزاوجة بينها سمع لكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه ، فكذلك إذا وقع الصوت في الحلق والفم بالاعتماد على جهات مختلفة سمعت الأصوات المختلفة التي هي حروف ، ولهذا لا يوجد في صوت الحجر وغيره لأنه لا مقاطع فيه للصوت ، وليس يحتاج إلى حصر الحروف التي يتعلق بها ، وإنما الغرض ذكر ما في اللغة العربية التي كلامنا عليها ، لأن في غيرها من اللغات حروفا ليست فيها ، كلغة الأرمن وما جرى مجراها . فحروف العربية تسعة وعشرون حرفا ، وهي : الهمزة والألف والهاء والعين والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو ، فهذا ترتيبها في المخارج . وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد « 2 » لا يعتد بالهمزة ، ويجعل الحروف ثمانية وعشرين حرفا ، وقوله هذا عند النحويين مرفوض ، واعتلاله بأن الهمزة لا صورة لها مستكره غير مرضيّ لأن الاعتبار باللفظ دون الخط وهي ثابتة فيه ، ولو أن العرب لا خط لها كغيرها من الأمم لم يمنع ذلك من الاعتداد بجميع هذه الحروف المذكورة .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1710 ) والبخاري « فتح » ( 6912 ) وأحمد ( 2 / 475 ) وغيرهم . ( 2 ) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي - أبو العباس - المعروف بالمبرد . إمام العربية ببغداد في زمنه . ولد بالبصرة سنة 210 هجرية . وتوفي ببغداد سنة 286 هجرية . من كتبه المطبوعة : « الكامل ، والمقتضب ، وشرح لامية العرب ، والمذكر والمؤنث والمراثي والتعازي » وغيرها .