محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
94
الأصول في النحو
ذكر الضرب الثاني : وهو ما ارتفع بالحروف المشبهة بالأفعال : فمن ذلك ( ما ) وهي تجري مجرى ( ليس ) في لغة أهل الحجاز شبهت بها في النفي خاصة لأنها نفي كما أنها نفي يقولون : ما عمرو منطلقا ، فإن خرج معنى الكلام إلى الإيجاب لم ينصبوا كقولك : ما زيد إلا منطلق ، وإن قدموا الخبر على الاسم رفعوا أيضا فقالوا : ( ما منطلق زيد ) فتجتمع اللغة الحجازية « 1 » والتميمية فيهما معا ؛ لأن بني تميم لا يعملونها في شيء ويدعون الكلام على ما كان عليه قبل النفي يعني الابتداء فإذا قلت : ما يقوم زيد فنفيت ما في الحال حسن . فإن قلت : ما يقوم زيد غدا كان أقبح ؛ لأن هذا الموضع خصت به ( لا ) يعني نفي المستقبل . ولو قلت : ( ما قام زيد ) كان حسنا كأنه قال : ( قام ) فقلت أنت : ما قام ، فإن أخرت فقلت : ما زيد قام أو يقوم كان حسنا أيضا وتقول : ما زيد بقائم فتدخل الباء كما أدخلتها في خبر ( ليس ) فيكون موضع ( بقائم ) نصبا ، فإن قدمت الخبر لم يجز لا تقول : ما بقائم زيد من أجل أن خبرها إذا كان منصوبا لم يتقدم والمجرور كالمنصوب ولو قلت : ما زيد بذاهب ولا بخارج أخوه : وأنت تريد أن تحمل ( الأخ ) على ما لم يكن كلاما ؛ لأن ( ما ) لا تعمل في الاسم إذا قدم خبره وتقول : ما كل يوم مقيم فيه زيد ذاهب فيه عمرة منطلقا فيه خالد تجعل ( مقيما ) صفة ( ليوم ) وذاهب فيه صفة ( لكل ) و ( منطلقا ) موضع الخبر هذا على لغة أهل الحجاز وتقول : ما كل ليلة مقيما فيها زيد ، وإذا قلت : ما طعامك زيد آكل وما فيك زيد راغب ترفع الخبر لا غير من أجل تقديم مفعوله فقد قدمته في التقدير ؛ لأن مرتبة العامل قبل المعمول فيه
--> ( 1 ) " ما " الحجازية هي من المشبّهات ب " ليس " في النّفي وتعمل عملها وهو رأي البصريين ( أما الكوفيون فلم يعملوها ، وما بعد ما عندهم مبتدأ والاسم بعده خبر ، كما أهملوا ليس حملا عليها ، فقالوا : ليس الطيب إلا المسك ، وأصلهم أن التميميين أهملوهما ) وإنما سمّيت حجازيّة ؛ لأن الحجازيّين أعملوها ، في النّكرة ، والمعرفة ، وبلغتهم جاء التّنزيل قال تعالى : ما هذا بَشَراً ( الآية : 31 سورة يوسف ) ، ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ( الآية : 3 سورة المجادلة ) . انظر معجم القواعد العربية 8 / 25 .