محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
6
الأصول في النحو
والناس في ذلك رجلان : رجل شغل بالفرع فلا يعرف غيره ، وآخر جمع الأمرين معا ، وهذه هي الرّتبة العليا لأن بها يعلم خطاب القرآن والسّنة وعليها يعوّل أهل النظر والفتيا ، وذلك أن طالب العلم اللغوي يكتفي من أسماء الطويل باسم الطويل ، ولا يضيره ألّا يعرف الأشقّ والأمقّ وإن كان في علم ذلك زيادة فضل . وإنما لم يضره خفاء ذلك عليه ؛ لأنه لا يكاد يجد منه في كتاب اللّه تعالى شيئا فيحوج إلى علمه ويقلّ مثله أيضا في ألفاظ رسول اللّه إذ كانت ألفاظه السّهلة العذبة . ولو أنه لم يعلم توسّع العرب في مخاطباتها لعيّ بكثير من علم محكم الكتاب والسنة ، ألا ترى قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ . . . إلى آخر الآية [ الأنعام : 52 ] . فسرّ هذه الآية في نظمها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشيّ من الكلام . والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول : أن متوسّما بالأدب لو سئل عن الجزم والتّسويد في علاج النّوق فتوقّف أو عيّ به ، أو لم يعرفه ، لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصا شائنا ؛ لأن كلام العرب أكثر من أن يحصى ، ولو قيل له : هل تتكلم العرب في النفي بما لا تتكلم به في الإثبات ؟ ثم لم يعلمه لنقصه ذلك في شريعة الأدب عند أهل الأدب ، لا أن ذلك يردّه عن دينه أو يجره لمأثم ، كما أن متوسّما بالنحو لو سئل عن قول القائل : [ الطويل ] لهنّك من عبسية لوسيمة * على هنوات كاذب من يقولها فتوقّف أو فكّر أو استمهل لكان أمره في ذلك عند أهل الفضل هيّنا ، لكن لو قيل له مكان ( لهنك ) : ما أصل القسم ؟ وكم حروفه ؟ وما الحروف المشبهة بالأفعال التي يكون الاسم بعدها منصوبا وخبره مرفوعا ؟ فلم يجب لحكم عليه بأنه لم يشامّ صناعة النحو قط ، فهذا الفصل بين الأمرين . وسوف نعرج الآن على ذكر المباحث التي نريد عرضها :